دبي تحتضن ضحايا الاحتيال ومتعثري الإقامة بضيافة 5 نجوم

WhatsApp Image 2026-07-29 at 20.34.59
WhatsApp Image 2026-07-29 at 20.34.59

في مركز «إيواء» التابع لقطاع المخالفين والأجانب بمنطقة العوير والتابع للإدارة العامة للهوية وشؤون الأجانب في دبي، لا تقاس الحكايات بعدد المتعثرين الذي يقصدون المركز، بل بعدد الأحلام التي تعثرت، والكرامات التي صانتها دبي حتى في أصعب اللحظات، فخلف أبوابه تتقاطع آلاف القصص الإنسانية لأشخاص شدوا الرحال إلى الإمارة، وهم يحملون أحلاماً كبيرة بمستقبل أفضل، قبل أن يكتشفوا أن تلك الأحلام لم تكن سوى أوهام نسجها محتالون وشركات وهمية في بلدانهم باعت لهم وظائف لا وجود لها، واستنزفوا مدخراتهم، وأموال بيع ممتلكاتهم، بل حتى القروض التي اقترضوها أملاً في بداية جديدة على أرض اشتهرت بأنها مدينة الفرص والنجاح.

لم يكن اختيار المحتالين لاسم دبي مصادفة، فهي المدينة التي أصبحت رمزاً عالمياً للفرص والاستثمار والعمل، إلا أنهم استغلوا هذه السمعة لتسويق وعود كاذبة، سرعان ما تتبدد بمجرد وصول الضحايا إلى أرض الواقع، حيث لا وظيفة تنتظرهم ولا جهة تستقبلهم، ولا عنوان يقودهم إلى المستقبل الذي أنفقوا من أجله مدخراتهم، وباع بعضهم ممتلكاته، واقترض آخرون أملاً في بداية جديدة، وإذا كان هذا واقع الحال، إلا أن للقصة وجهاً آخر، عنوانه الإنسانية التي لا تقل الإمارة شهرة بها عما توفره من عمل، حيث وجد هؤلاء المتعثرين يداً حانية امتدت إليهم، بلسمت شيئاً من آلامهم، بسعة صدر «إقامة دبي» التي رأت فيهم ضحايا وجب عليها مساعدتهم، وهو ما كان بمركز حفظ لهم حقوقهم، واحتواهم مقدماً لهم خدمات ضيافة لا تقل عن النجوم الخمس، التي تشتهر بها فنادق الإمارة.

حالات إنسانية

نعم، هذا هو واقع الحال، فعلى اختلاف الأسباب والظروف، وسواء كانوا ضحايا احتيال أو متعثرين بسبب فقدان وظائف أو بسبب ظروف ألمت بهم لم يتم استقبالهم في مركز «إيواء» بوصفهم مجرد مخالفين لقانون الإقامة، بل كحالات إنسانية تستحق الاحتواء والدعم، فالمركز يفتح أبوابه لكل المخالفين لقانون الإقامة، سواء كان ضحية احتيال، أو فقد مصدر رزقه، أو واجه ظروفاً خارجة عن إرادته، ليجد فيه الرعاية والاحترام، والمساعدة على تسوية أوضاعه أو العودة إلى وطنه بكرامة.

وخلال جولة ميدانية نظمتها الإدارة العامة للهوية وشؤون الأجانب في دبي لوسائل الإعلام رصدت «البيان» تفاصيل هذه المنظومة الإنسانية، التي تستقبل المتعثرين منذ لحظة وصولهم وحتى مغادرتهم الدولة، عبر خدمات متكاملة تقدم مجاناً، وتشمل الإيواء والإعاشة والرعاية الصحية والنفسية، واستخراج وثائق السفر، والتنسيق مع السفارات والقنصليات، إضافة إلى توفير تذاكر السفر دون تحميل المتعثر أي أعباء مالية.

منظومة متكاملة

وتراوح مدة إقامة أغلب المتعثرين بين ثلاثة وأربعة أيام في حال كانت أوراقهم الثبوتية مكتملة، بينما تمتد لفترات أطول في حال فقدانها، ريثما يتم التنسيق مع سفارات وقنصليات بلدانهم لإصدار وثائق سفر جديدة، وكل ذلك ضمن منظومة متكاملة تتحملها إقامة دبي بالكامل.

وتكشف أرقام النصف الأول من العام الجاري حجم هذا الجهد الإنساني، إذ تعامل المركز مع 11 ألفاً و700 حالة، حصل جميع أصحابها على تذاكر سفر مجانية، فيما احتاج أكثر من 1900 شخص إلى رعاية طبية تخصصية، وتمت مخاطبة سفارات وقنصليات 4562 حالة لاستكمال وثائق سفرهم، في حين قدمت أكثر من 322 ألفاً و232 وجبة غذائية للمتعثرين.

ومنذ اللحظة الأولى لدخول المركز تبدأ رحلة الرعاية، إذ يتوجه المتعثرين أولاً إلى قسم حفظ الأمانات، حيث تحفظ مقتنياتهم الشخصية داخل خزائن إلكترونية لا تفتح إلا ببصماتهم، بما يضمن أعلى مستويات الخصوصية والأمان، بعدها ينتقلون إلى مرافق العناية الشخصية، التي توفر ملابس جديدة، ومستلزمات النظافة، ومرافق استحمام منفصلة للرجال والنساء، إلى جانب خدمات الحلاقة والعناية بالمظهر وصالون للنساء، في رسالة واضحة مفادها أن الحفاظ على كرامة الإنسان يبدأ من أبسط التفاصيل.

وجبات خاصة

وبعد ذلك يخضع المتعثرون لفحص طبي شامل داخل المركز الطبي المتكامل الذي يضمه «إيواء» ويتكون من عيادات للطب العام والأسنان والعلاج الطبيعي، إضافة إلى الصيدلية وغرف العلاج للتأكد من سلامتهم الصحية وتقديم العلاج المناسب لكل حالة، وخلال النصف الأول من العام الجاري، تم تحويل أكثر من 1900 حالة إلى رعاية طبية متخصصة، وبلغت تكلفة علاج إحدى الحالات نحو مليون درهم تكفلت بها دبي بالكامل، في تجسيد عملي لمعنى أن الإنسانية لا تقاس بالكلفة.

ولا تقتصر الخدمات على الجانب الصحي، بل تمتد إلى الرعاية الاجتماعية والنفسية والبرامج التوعوية والترفيهية، إلى جانب خدمات الإيواء والإعاشة، حيث يحصل المتعثرين على ثلاث وجبات يومياً تعدها إحدى شركات التموين التابعة لأحد الفنادق الفاخرة، مع توفير وجبات خاصة لمرضى السكري والحالات الصحية الأخرى وفق احتياجاتهم الطبية.

رفاهية وخدمات

وفي الوقت ذاته بينما يحظى المتعثرين بالرفاهية وخدمات الـ 5 نجوم تعمل فرق متخصصة على استكمال جميع الإجراءات الإدارية والقانونية، بالتنسيق مع السفارات والقنصليات لإصدار وثائق السفر وتصاريح المغادرة، إضافة إلى إنهاء حجوزات السفر، وإصدار تذاكر الطيران وبطاقات صعود الطائرة من داخل المركز، ومن ثم توصيلهم للمطار وتوديعهم مع منحهم حرية العودة للإمارة متى تحسنت أوضاعهم وحصلوا على فرص وظيفية حقيقة.

وعلى هامش الزيارة قال معالي الفريق محمد أحمد المري، مدير عام الإدارة العامة للهوية وشؤون الأجانب في دبي إن النهج الإنساني الذي تتبناه دبي يمثل ركيزة أساسية في تطوير منظومة الخدمات الحكومية، انطلاقاً من رؤية القيادة الرشيدة التي جعلت الإنسان محور التنمية وأولوية العمل الحكومي.

وقال: يجسد مركز إيواء لرعاية المتعثرين نموذجاً حضارياً يعكس قيم دولة الإمارات في التسامح والتكافل واحترام كرامة الإنسان، ويؤكد أن ما تنعم به دبي من أمن وأمان واستقرار لا ينعكس على مواطنيها والمقيمين فيها فحسب، بل يمتد ليشمل كل من وجد نفسه في ظروف استثنائية حالت دون عودته إلى وطنه، ونؤمن بأن الريادة الحقيقية تقاس بقدرة المؤسسات على خدمة الإنسان، وتقديم الدعم له في مختلف الظروف، بما يعزز مكانة دبي مدينة عالمية للعيش والعمل، ونموذجاً يحتذى في الخدمات الإنسانية.

منظومة متكاملة

من جانبه قال اللواء الدكتور علي بن عجيف الزعابي، مساعد المدير العام لقطاع متابعة المخالفين والأجانب في إقامة دبي، إن المركز يمثل منظومة تشغيلية متكاملة صممت لتقديم حلول عملية وسريعة للحالات الإنسانية، من خلال فرق عمل متخصصة تتابع كل حالة منذ دخولها المركز وحتى مغادرتها الدولة.

وأضاف: «صمم المركز ليجمع مختلف الخدمات في مكان واحد، بما يختصر الإجراءات ويسرع إنجازها، بدءاً من الرعاية الصحية والخدمات المعيشية، مروراً بمتابعة الإجراءات القانونية والتنسيق مع القنصليات لاستصدار وثائق السفر، وانتهاءً بحجز الرحلات وإصدار بطاقات صعود الطائرة من داخل المركز، حيث يعمل فريقنا على معالجة التحديات التي تواجه المتعثرين بأعلى درجات الكفاءة، بما يضمن توفير تجربة إنسانية متكاملة تحفظ كرامتهم حتى مغادرتهم الدولة».