المرونة واستقطاب الكفاءات.. وصفة الإمارات للصدارة العالمية

الإمارات رائدة في استقطاب الكفاءات والخبرات
الإمارات رائدة في استقطاب الكفاءات والخبرات

جاء تصدر دولة الإمارات عالمياً في مؤشرات غياب البيروقراطية الحكومية، وقدرة السياسات الحكومية على التكيف ونسبة التوظيف وتوافر الخبرات العالمية، تتويجاً لمسار متواصل من التطوير الحكومي والتشريعي والاقتصادي الذي اتخذ من الكفاءة والمرونة وسرعة الإنجاز منهجاً ثابتاً خلال السنوات الماضية.

كفاءة الخدمات

ويكشف التقدم في هذه المؤشرات عن ترابط واضح بين مختلف عناصر المنظومة الحكومية والاقتصادية في الدولة، فكلما ارتفعت كفاءة الخدمات الحكومية وانخفضت البيروقراطية، ازدادت جاذبية بيئة الأعمال، وكلما ازدادت مرونة السياسات الحكومية ارتفعت قدرة الاقتصاد على استقطاب الاستثمارات والكفاءات، وهو ما ينعكس بدوره على معدلات التوظيف وتوافر الخبرات العالمية.

وفي جانب غياب البيروقراطية وقدرة الحكومة على التكيف، شكل إطلاق برنامج «تصفير البيروقراطية الحكومية» في نوفمبر 2023 نقطة تحول مهمة في مسار تطوير العمل الحكومي، فالبرنامج لم يستهدف تحسين الإجراءات الحكومية فحسب، بل انطلق من فلسفة مختلفة تقوم على إعادة النظر في جدوى الإجراءات نفسها، بحيث يتم إلغاء أي إجراء أو متطلب لا يحقق قيمة حقيقية للمتعاملين أو للمؤسسات.

اختصار الوقت

وعكس هذا التوجه قناعة راسخة بأن كفاءة الحكومات الحديثة لا تقاس بعدد الإجراءات أو مستويات الرقابة، وإنما بقدرتها على تسهيل حياة الناس واختصار الوقت والجهد وتحقيق أعلى درجات الكفاءة، ولذلك وضعت الجهات الحكومية نفسها في سباق مع الزمن لإعادة تصميم الإجراءات والخدمات الحكومية بصورة أكثر بساطة وسرعة وفاعلية.

وكانت النتائج لافتة في المرحلة الأولى من البرنامج، حيث شارك أكثر من 690 فريق عمل يمثلون 30 جهة حكومية في مراجعة الإجراءات الحكومية، وأسفرت الجهود عن إلغاء أكثر من 4000 إجراء غير ضروري، واختصار أكثر من 70% من زمن تقديم الخدمات الحكومية، وحذف 1600 اشتراط مكرر، كما شارك في عمليات التقييم والتطوير أكثر من 4500 متعامل ونحو 19 ألف موظف حكومي، ما منح البرنامج بعداً تشاركياً واسعاً أسهم في الوصول إلى نتائج أكثر دقة وواقعية.

وفورات بالملايين

وتتضح أهمية هذه النتائج عند النظر إلى أثرها المباشر على حياة الأفراد والأعمال، إذ أسهمت في تحسين نحو 200 مليون معاملة حكومية سنوياً، وتوفير 12 مليون ساعة سنوياً على المتعاملين، إضافة إلى توفير ما يقارب 1.12 مليار درهم سنوياً على الأفراد والشركات من تكاليف الانتقال والوقت المهدور والإجراءات المتكررة، وتعكس هذه الأرقام حجم التحول الذي أحدثه البرنامج، إذ لم يعد أثره مقتصراً على تطوير الأداء الحكومي، بل امتد ليصبح عاملاً اقتصادياً يسهم في رفع الإنتاجية وتحسين كفاءة الأعمال.

ونظراً لأهمية هذه الجهود، خصصت الحكومة جوائز بقيمة إجمالية بلغت 7 ملايين درهم للجهات وفرق العمل المتميزة، لتكون الأكبر في تاريخ العمل الحكومي، في رسالة تؤكد أن الابتكار في تبسيط حياة الناس أصبح معياراً رئيسياً للتميز الحكومي.

ومع الانتقال إلى المرحلة الثانية من البرنامج خلال عام 2024، توسع نطاق العمل ليشمل ما يمكن وصفه بـ«البيروقراطية الرقمية»، حيث لم تعد التحديات مرتبطة بالإجراءات التقليدية فقط، بل أيضاً بتعدد التطبيقات والمنصات الرقمية وتشعب رحلة المتعامل بين الأنظمة المختلفة، هنا ركزت المرحلة الثانية على تصفير 100% من التعقيدات الرقمية، وتحديث الأنظمة الحكومية وتعزيز تكاملها والتوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي.

حكومة استباقية

وفي العام الجاري دخل البرنامج مرحلة أكثر تقدماً مع إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عن مرحلة «تصفير البيروقراطية باستخدام الذكاء الاصطناعي المساعد»، بما يعكس انتقال الدولة من مرحلة تبسيط الإجراءات إلى مرحلة بناء حكومة استباقية تعتمد على التقنيات الحديثة في اختصار الوقت واتخاذ القرار وتقديم الخدمات بكفاءة أعلى.

ولم يأتِ تصدر الدولة في مؤشرات التوظيف وتوافر الخبرات العالمية بمعزل عن هذه الجهود، بل يمثل امتداداً لها، حيث باتت سهولة الإجراءات ومرونة الأنظمة الحكومية وتطور الخدمات تشكل عناصر رئيسية في جذب الاستثمارات والشركات العالمية، التي بدورها تسهم في خلق فرص العمل واستقطاب الكفاءات.

ولعبت التحديثات المتواصلة للمنظومة التشريعية والاقتصادية دوراً محورياً في تعزيز تنافسية سوق العمل الإماراتي، حيث واصلت الدولة تطوير قوانين العمل والاستثمار والإقامة بما يواكب المتغيرات العالمية، ويوفر بيئة أكثر مرونة للأعمال والكفاءات على حد سواء.

جودة الحياة

وساعدت هذه المنظومة المتكاملة في ترسيخ مكانة الإمارات كوجهة مفضلة للعقول والخبرات العالمية، مستفيدة من بنية تحتية متقدمة، وخدمات حكومية رقمية، وبيئة اقتصادية مستقرة، ومستويات مرتفعة من الأمن وجودة الحياة، وأصبحت الدولة قادرة ليس فقط على استقطاب الكفاءات، بل على الاحتفاظ بها واستثمار خبراتها في دعم القطاعات الاقتصادية المختلفة.

كما أسهم التركيز على تعزيز دور القطاع الخاص كشريك استراتيجي في التنمية الاقتصادية في دعم هذه النتائج، إذ وفرت الدولة بيئة تشريعية وتنظيمية تمكن القطاع الخاص من التوسع والنمو وخلق فرص عمل جديدة، بما يعزز مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي ويزيد من قدرة الاقتصاد على استيعاب الخبرات والمهارات المتخصصة.

وتؤكد هذه المؤشرات مجتمعة أن نجاح الإمارات لم يكن نتاج مبادرات منفردة، بل نتيجة رؤية متكاملة ربطت بين كفاءة الحكومة ومرونة التشريعات وجاذبية بيئة الأعمال واستقطاب رأس المال البشري، وهي عناصر عملت معاً على بناء نموذج تنموي جعل الدولة في صدارة المؤشرات العالمية المرتبطة بالحكومة والاقتصاد وسوق العمل، ورسخ مكانتها كإحدى أكثر دول العالم جاهزية للمستقبل وقدرة على تحويل التحديات.

«تشات جي بي تي»: منظومة توظيف رائدة عالمياً

أكد مساعد البحث بالذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» في إجابته عن أسباب تميّز سوق العمل في دولة الإمارات مقارنة بدول عالمية كبرى أن تميّز الدولة في التوظيف بالقطاع الخاص لا يعود إلى عامل واحد، بل إلى منظومة متكاملة تجمع بين المرونة التشريعية، وسرعة النمو الاقتصادي، وتنوّع القطاعات، وقدرة الدولة على استقطاب الكفاءات العالمية.

وتطرق «تشات جي بي تي» خلال مقارنة أجراها أن دولاً مثل ألمانيا وفرنسا تتمتع بمستويات مرتفعة من حماية العاملين، إلا أن تشريعات التوظيف فيها أكثر تعقيداً وتفرض التزامات أكبر على أصحاب العمل، ما قد يحد من مرونة التوظيف مقارنة بالإمارات، وفي المقابل، تمتلك الولايات المتحدة سوق عمل شديد المرونة وقدرة عالية على خلق الوظائف، لكنها لا توفر مظلة الحماية الاجتماعية والتنظيمية ذاتها التي توفرها الإمارات من خلال أنظمة حماية الأجور والتأمين ضد التعطل عن العمل.

وأشار إلى أن سنغافورة تعد من أقرب النماذج للإمارات من حيث التنافسية واستقطاب المواهب العالمية، إلا أن الإمارات تتفوق بتنوعها الاقتصادي واتساع سوقها الإقليمي ووجود فرص وظيفية في قطاعات متعددة تشمل التكنولوجيا والطاقة والخدمات اللوجستية والسياحة والمالية والصناعة، كما تتميز الدولة بقدرتها على جذب الكفاءات من مختلف الجنسيات بفضل بيئة الأعمال المنفتحة والبنية التحتية المتطورة والاستقرار الاقتصادي والتشريعي.

وأضاف: إن ما يمنح الإمارات ميزة تنافسية خاصة هو نجاحها في تحقيق توازن بين مرونة سوق العمل وحماية الحقوق، وهي معادلة تواجه صعوبة في تحقيقها العديد من الدول فبعض الأسواق توفر مرونة عالية على حساب الحماية، بينما توفر أخرى حماية واسعة على حساب سرعة التوظيف والنمو، لذلك برزت الإمارات خلال السنوات الأخيرة كواحدة من أكثر الدول قدرة على استقطاب المواهب وتوفير فرص العمل في القطاع الخاص، ما انعكس في تصدرها العديد من المؤشرات الدولية المرتبطة بالتوظيف وتوافر الكفاءات وجاذبية بيئة الأعمال.