في السابع عشر من يونيو 2026، أطلق صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، «رعاه الله»، مبادرةً جديدة تحمل اسم «Dubai-it»، في إضافةٍ نوعية إلى سجلّ سموّه الحافل بالمبادرات التي صاغت ملامح دبي الحديثة. وممّا يُحسَب لرؤية سموّه الثاقبة أن هذا الإطلاق جاء تتويجاً لمسيرةٍ ممتدّة، لا بداية لها؛ إذ ظلّت دبي، بفضل قيادة سموّه، تُجسّد روح «Dubai-it» في إنجازاتها على مدى عقود قبل أن تُصاغ في اسم. واللحظة التي ارتأى فيها سموّه أن يختزل هذه الفلسفة في كلمةٍ واحدة هي اللحظة التي ارتقى فيها الفعلُ المتراكم إلى وعيٍ مؤسسيّ راسخ، فبات السلوك منهجاً، وغدا الاسم إرثاً تتوارثه الأجيال.
عرّف سموّه المصطلح بأنه إنجاز شيءٍ استثنائيّ بإتقانٍ في زمنٍ قياسيّ، على النحو الذي تحوّلت به دبي من صحراء إلى مدينةٍ عالمية. وكتب عبر منصة «إكس» أن فلسفة دبي في العمل تقوم على تحقيق النتائج الاستثنائية في وقتٍ قياسيّ بدقّةٍ وتميّز، مؤكداً أن السرعة لا تعني التسرّع، وأن الجودة لا تعني البطء، وأن الطموح يبقى بلا قيمةٍ ما لم يقترن بالتنفيذ. وأضاف أن شعار دبي ظلّ على الدوام «نقول ما نفعل، ونفعل ما نقول».
يقوم التعريف على ثلاثة عناصر تبدو، للوهلة الأولى، متوتّرةً فيما بينها: السرعة، والجودة، والطموح. فالعجلة عدوّةٌ تقليدية للإتقان، والطموح كثيراً ما يبقى حبيس النيات. غير أن المفهوم يحلّ هذا التوتّر الظاهريّ عبر التنفيذ نفسه، إذ يجعل منه المعيار الذي تُقاس به القيمة. السرعة هنا انضباطٌ لا اندفاع، والجودة كفاءةٌ لا تباطؤ، والطموح وعدٌ لا يكتمل إلا بالفعل. وبهذا المعنى، فإن «Dubai-it» معادلةٌ تُخضِع المتناقضات لمنطقٍ واحد: ما لم يتحوّل إلى نتيجةٍ ملموسة، يبقى كلاماً.
شواهد سبقت التسمية
لم يكن المفهوم وعداً مستقبلياً، بقدر ما كان وصفاً لواقعٍ قائم. ففي أكتوبر 1999، أعلن سموّه مبادرة «مدينة دبي للإنترنت» وحدّد لإنجازها سقفاً زمنياً لا يتجاوز 365 يوماً، بحسب المنصة الرسمية لحكومة الإمارات. ومع توالي السنوات، توسّعت شبكة «مترو دبي» على مراحل لتربط المناطق السكنية والتجارية الكبرى، فيما رسّخت برامج مثل «الإقامة الذهبية» وتصاريح العمل عن بُعد قدرة الإمارة على الانتقال السريع من الإعلان إلى التطبيق، وهي جوهر النموذج الذي عزّز الثقة بمكانة دبي مركزاً للأعمال والمواهب والابتكار.
وتتجلّى الحصيلة في أرقامٍ رقمية لافتة، إذ رقمنت حكومة دبي 99.5% من خدماتها، فيما ينقل «مترو دبي» نحو 2.18 مليون راكبٍ يومياً. في ترجمة عملية لفلسفةٍ "Dubai-it".
ثقافة مؤسسية
يبقى السؤال الأعمق؛ كيف يُترجَم أسلوبٌ ارتبط بقيادةٍ ملهمة إلى منهجٍ مؤسسيّ قابلٍ للنقل عبر الأجيال؟ هنا يكمن جوهر المبادرة، إذ أوضح سموّه أن «Dubai-it» تسعى إلى غرس فلسفة دبي العملية بوصفها ثقافة عملٍ داخل المؤسسات والشركات، والبناء عليها لتحقيق قفزاتٍ مقبلة. ولم يكن هذا التوجّه معزولاً، فقد سبقته في سبتمبر خطوةٌ مؤسسية حين أبرمت حكومة دبي شراكةً مع نخبةٍ من الجامعات العالمية لإعداد قادة المستقبل استناداً إلى دروس تجربتها، عبر اتفاقٍ بين «مركز محمد بن راشد لإعداد القادة» وجامعة «جورجتاون» الأمريكية و«كلية الدراسات العليا التجارية» في باريس و«كلية إدارة الأعمال» في لوزان و«كلية إيسي للأعمال» في برشلونة و«كلية إنسياد» في أبوظبي. ليظهر أن دبي تعمل على تأطير فلسفتها في منهجٍ يُدرَّس ويُنقَل.
مدنٌ على الخُطى
لم يعد نموذج دبي محصوراً في الإعجاب، بل صار مرجعاً تستحضره مدن ومشروعات كبرى، كلٌّ وفق سياقه وإمكاناته. جاءت المحاكاة مُعلَنةً صريحة عن طموح إلى بناء ما يشبه «دبي»، فقد نقلت دراسةٌ عن مسؤول المخطّط العام لمدينة أستانا الكازاخية قوله إن الهدف أن «يتحدّث الناس عن أستانا كما يتحدّثون عن دبي»، وإن كان قد استدرك بأن بلاده تريد أن تفعل ذلك بطريقتها الخاصة لا أن تنسخ، معترفاً بأنها لا تملك موارد دبي نفسها.
وعلى مستوى السياسات والبنية اللوجستية، يبرز نموذجٌ إفريقيّ لافت يتمثل في العاصمة الرواندية كيغالي، التي باتت تُلقَّب بـ«دبي إفريقيا»، إذ قرنتها مجلة «مونوكل» بنموذج الإمارة في الاستقرار وجذب الاستثمار. والأبعد من المحاكاة أن البصمة الإماراتية حاضرةٌ هناك عملياً، إذ تُشغّل «موانئ دبي العالمية» ميناءً جافاً قرب مطار كيغالي يعمل منذ 2019، وفق تقاريرَ تنموية متخصّصة، في مثالٍ على أن دبي لا تُلهِم النماذج فحسب، بل تُنفّذها خارج حدودها.
وفي البُعد الأكاديميّ، يكتسب هذا التأثير سنداً بحثياً، إذ تخلص دراسةٌ بعنوان «نموذج دبي والمناطق الحرّة الإماراتية» إلى أن منظومة الإمارة للمناطق الحرّة باتت نموذجاً يُحتذى إقليمياً وعالمياً، وأن ممارسات دبي في بناء المدن تواصل التأثير في موجة التحضّر الممتدّة عبر الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا.
حدود المحاكاة
غير أن في تجربة المحاكاة درساً معاكساً يكشف جوهر «Dubai-it». فقد بيّنت دراساتٌ في التخطيط الحضري أن مدناً مالت إلى «نموذج دبي» في عمرانها، لكنها أخفقت في تطبيقه، إذ جاء البناء فوضوياً مكلفاً رغم وفرة الموارد، لغياب المخطّط العام والإطار التنظيمي المُحكَم. وهنا تكمن العبرة؛ استنساخ الأبراج والواجهات سهلٌ ميسور، أما استنساخ «الفعل»، أي الحوكمة والتخطيط والانضباط التنفيذيّ الذي يصنع الفارق، فهو الجوهر العصيّ على النقل.
وبهذا يعود المعنى إلى نقطة انطلاقه. فالعنوان نفسه، «Dubai-it»، فعلٌ بصيغة الطلب يدعو إلى الإنجاز لا إلى التأمّل فيه. واللحظة التي تتحوّل فيها فلسفةٌ إلى فعل هي اللحظة التي يصير فيها النموذج منهجاً، والمنهجُ إرثاً. تلك، في خلاصتها، هي دبي حين تصبح فلسفتها فعلاً.

