منصور العور: ميزة الإمارات التنافسية بناء حكومة صُممت لتعمل بالذكاء الاصطناعي
علي المري: مردود اقتصادي شامل لـ«الذكاء الاصطناعي المساعد» في القطاعات الحيوية
عيسى البستكي: الذكاء الاصطناعي المساعد يرفع إنتاجية الموظفين %40 في إنجاز المهام
السيد بخيت: الحكومة ستنتقل من الرد إلى التنبؤ والاستباقية في خدمة المتعامل
أكد خبراء وأكاديميون أن حكومة دولة الإمارات عكست تحولاً عميقاً في مفهوم الحكومة يتجاوز الحكومة الرقمية إلى الحكومة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، عبر طرحها البرنامج الوطني الطموح لتطبيق نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة الذي اعتمده مجلس الوزراء مؤخراً، لتطوير مهارات وقدرات موظفي الحكومة الاتحادية في مجال الذكاء الاصطناعي المساعد والذي يشمل تدريب 80 ألف موظف من مختلف الفئات الوظيفية في الحكومة الاتحادية ليكونوا خبراء في مجال الذكاء الاصطناعي المساعد عبر التدريب المتخصص المستمر.
وقال الخبراء: في إطار رؤية الدولة الاستباقية ترسم حكومة الإمارات خريطة طريق لحكومات المستقبل، وسط توقعات بإضافة تريليونات الدولارات للاقتصاد العالمي ورفع إنتاجية الموظفين بنسبة تصل إلى نحو 40%، وتحويل الخدمات الحكومية من الخدمة عند الطلب إلى الخدمة قبل الطلب، معتبرين أن هذا البرنامج يعد استراتيجية وطنية شاملة لإعادة هندسة العمل الحكومي وخلق الكتلة الحرجة من الكفاءات، نحو حكومة قائمة على إنتاجية المعرفة بدلاً من تكلفة التشغيل، وأن الذكاء الاصطناعي ركيزة التحول نحو حكومة أكثر إنتاجية، وتحويل التكلفة التشغيلية إلى استثمار في الإنتاجية، وتحويل الموظف الحكومي إلى قائد مدعوم بالذكاء الاصطناعي عبر رؤية متكاملة، تضع الإمارات نموذجاً عالمياً رائداً لحكومات الغد التي يكون فيها الذكاء الاصطناعي شريكاً حقيقياً في الإدارة، وصناعة القرار، والخدمة العامة، وأن الإنسان يبقى القائد، والتقنية أداة تمكين.
فلسفة عميقة
بداية قال الدكتور منصور العور، رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية إن طرح هذا البرنامج يتجاوز الإطار التقليدي إلى تحول فلسفي عميق في مفهوم الحكومة نفسها من حكومة تستخدم التقنية إلى حكومة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، قادرة على التعلم واتخاذ القرار الاستباقي، مشيراً إلى أن القيمة الحقيقية لهذا البرنامج لا تكمن في عدد الموظفين المستهدفين فقط، بل خلق «الكتلة الحرجة» من الكفاءات الوطنية القادرة على إعادة تصميم العمل الحكومي من الداخل.
وأضاف عن هذا النموذج الجديد تصبح المعرفة بالذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من الثقافة المؤسسية اليومية للحكومة، وهذا سيسهم في إحداث نقلة نوعية في مجالات عدة.
وأشار الدكتور منصور العور إلى الآثار المترتبة على تطبيق هذا البرنامج والتي لخصها في تسريع اتخاذ القرار، وتقليل الاعتماد على الإجراءات اليدوية، ورفع كفاءة تحليل البيانات، وتطوير خدمات أكثر ذكاءً وتخصيصاً، إلى جانب تعزيز قدرة الحكومة على التنبؤ باحتياجات المتعاملين قبل طلبها.
وتابع: لا يقتصر البرنامج على تدريب الفنيين والمتخصصين بل يشمل القيادات والوظائف العامة، معتبراً هذا الأمر نقطة تحول مهمة جداً، لأن التحدي الحقيقي في التحول الرقمي ليس تقنياً فقط، بل فكري وإداري وثقافي، وأن القيادة الملمة بقدرات وإمكانات الذكاء الاصطناعي تستطيع أن ترسم سياسات وخدمات تختلف جذرياً عن تلك التي ترسمها قيادة لا تدرك هذه الإمكانات.
وأكد أن الميزة التنافسية الكبرى للإمارات تتمثل في بناء «حكومة AI-Native Government»، أي حكومة صُممت أصلاً لتعمل بالذكاء الاصطناعي منذ البداية، وليس مجرد إضافة أدوات تقنية فوق أنظمة تقليدية قديمة.
منظومة جديدة
من جانبه قال الدكتور علي بن سباع المري الرئيس التنفيذي لكلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية إن دولة الإمارات تواصل صياغة ملامح حكومة المستقبل عبر الانتقال بذكاء وخطى ثابتة نحو عصر «الذكاء الاصطناعي المساعد» تماشياً مع المنظومة الجديدة لحكومة الإمارات التي تهدف إلى تحويل 50% من قطاعات وخدمات وعمليات الحكومة لتطبق نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة Agentic Ai خلال عامين.
وأضاف: تبرز كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية كمركز فكري وأكاديمي رائد يسهم في إعداد وبناء قيادات تملك الفكر الاستراتيجي والمرونة لاستشراف المستقبل، مع التركيز في هذه المرحلة على «مأسسة حوكمة الذكاء الاصطناعي» لضمان التوازن بين الابتكار والكفاءة والمسؤولية الأخلاقية، منوهاً بأنه تجسيداً لهذه الرؤية التي تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يكمن في «تمكين الإنسان القائد للتكنولوجيا»، يأتي البرنامج الوطني بتدريب 80 ألف موظف حكومي لتتجاوز المبادرات الفردية والأكاديمية السابقة نحو «منظومة موحدة تضمن جاهزية استثنائية لجميع العاملين».
وأشار إلى ثمار هذا التحول على الصعيد الاقتصادي وقال إنها لن تتوقف عند التميز الإداري بل تمتد لتحدث أثراً اقتصادياً مباشراً وشاملاً على مجتمع الأعمال، حيث يسهم تطوير الخدمات رقمياً في إنعاش وتحفيز قطاعات حيوية رئيسية مثل الشركات والاستثمار وقطاعي السياحة والضيافة، وقطاع اللوجستيات وسلاسل الإمداد وغيرها، مؤكداً أن الاعتماد على «الذكاء الاصطناعي المساعد» يضمن خفضاً ملموساً في التكاليف التشغيلية للمؤسسات من خلال نقلة نوعية في جانبين اختصار الوقت عبر تقليص الفترات الطويلة التي كانت تستغرقها المعاملات التقليدية إلى أوقات قياسية، وتحسين الجهد البشري، من خلال إحلال حلول الذكاء الاصطناعي في المهام الروتينية، ما يتيح للموظفين التركيز على التطوير والابتكار وبالتالي رفع جودة الخدمات وعددها.
وبين أن دولة الإمارات تثبت مجدداً أن المردود الاقتصادي القادم للذكاء الاصطناعي سيكون الأكبر والأكثر استدامة واضعة نموذجاً عالمياً يحتذى به في الموازنة بين الكفاءة التكنولوجية والريادة البشرية.
تحول نوعي
وقال الدكتور عيسى البستكي رئيس جامعة دبي، يمثل تأهيل 80 ألف موظف اتحادي تحولاً نوعياً في مفهوم الحكومة الرقمية، لأن «الذكاء الاصطناعي المساعد» لا يقتصر على تنفيذ الأوامر، بل يمتلك القدرة على تحليل البيانات، واتخاذ قرارات مبدئية، وتنفيذ مهام مترابطة بشكل شبه مستقل.
وتشير التقديرات الصادرة عن كبرى مؤسسات الأبحاث، مثل Gartner، إلى أن نحو 75% إلى 90% من المؤسسات العالمية ستستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في أعمالها، نظراً لاعتماده بشكل متزايد كبنية تحتية أساسية لمهام الأعمال، وتُشير تقديرات مؤسسة PwC إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي قد تستحوذ على نسبة تصل إلى 13.6% إلى 14% من الناتج المحلي الإجمالي للإمارات بحلول عام 2030.
وأضاف: إن الميزة التنافسية للإمارات تكمن في أن التدريب لا يستهدف المتخصصين التقنيين فقط، بل يشمل القيادات والموظفين والفئات العامة، ما يخلق «كتلة حرجة» قادرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى ثقافة حكومية متكاملة، وليس مجرد أداة تقنية وهذا ينسجم مع رؤية الإمارات في بناء حكومة استباقية وذكية تعتمد على الكفاءات الوطنية المؤهلة عالمياً.
أثر اقتصادي
وأوضح الدكتور البستكي أن الأثر الاقتصادي المتوقع سيكون كبيراً على مستوى الكفاءة والإنتاجية وتقليل التكاليف التشغيلية.
بحسب توقعات شركة «بي دبليو سي» (PwC)، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضيف ما يصل إلى 15.7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، مما يجعله أكبر تحول تكنولوجي وتجاري.
كما تشير الدراسات العالمية المتخصصة إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي المساعد يمكن أن يرفع إنتاجية الموظفين بنسب تتراوح بين 34% إلى 40% في إنجاز بعض المهام الإدارية والمعرفية، كما تساهم هذه التقنيات في تسريع أداء مهام محددة بنسبة تصل إلى 50% دون التأثير على جودة العمل إضافة إلى تقليل الوقت اللازم لإنجاز المعاملات الحكومية بشكل ملحوظ وعندما يشمل التدريب القيادات والفئات العامة والتخصصية، فإن الفائدة تصبح مؤسسية شاملة، حيث تتحسن سرعة اتخاذ القرار، وتُخفض الأخطاء التشغيلية، ويتم توظيف الموارد البشرية في أعمال أكثر استراتيجية وإبداعاً بدلاً من المهام الروتينية المتكررة.
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي المساعد سيمكن الحكومة من الانتقال من مفهوم «الخدمة عند الطلب» إلى «الخدمة الاستباقية الذكية».
فبدلاً من انتظار المتعامل لتقديم الطلب، ستتمكن الأنظمة من تحليل البيانات والتنبؤ بالاحتياجات المستقبلية للأفراد والمستثمرين، وتقديم خدمات مخصصة بصورة أسرع وأكثر دقة، وتشير الدراسات العالمية إلى أن ما بين 50% إلى أكثر من 80% من المؤسسات الحكومية العالمية تتجه حالياً نحو تطوير خدمات تعتمد على تحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي، مع التركيز على التحول من الخدمات العامة التقليدية إلى الخدمات الاستباقية والمخصصة رقمياً على التحليلات الذكية والتخصيص الرقمي.
كما أن الحكومات التي تطبق حلول الذكاء الاصطناعي المتقدمة استطاعت تقليل زمن إنجاز بعض الخدمات بنسبة تجاوزت 50%.
وشدد على أن فئة «تدريب المدربين» هي عنصر استراتيجي لضمان الاستدامة وبناء منظومة تعلم حكومية مستدامة، لافتاً إلى أن تأهيل الموظفين سيساعد على توجيه الموارد نحو الخدمات الأعلى تأثيراً على المجتمع والاقتصاد، خاصة الخدمات العامة المرتبطة بجودة الحياة، وسهولة ممارسة الأعمال، وسرعة إنجاز المعاملات، وهو ما يعزز مكانة الإمارات كواحدة من أكثر الحكومات ابتكاراً واستعداداً للمستقبل عالمياً.
فوائد عدة
بدوره قال الدكتور السيد بخيت، أستاذ الإعلام بجامعة زايد، إن هذا البرنامج سيضع حكومة الإمارات في طليعة الحكومات عالمياً من حيث تبني الذكاء الاصطناعي المساعد، من خلال عدة فوائد أولاً: زيادة الكفاءة التشغيلية عبر تحسين الأداء الحكومي.
ثانياً: تقديم خدمات أكثر ذكاءً واستباقية للمواطنين والمقيمين وقطاع الأعمال.
ثالثاً: ترسيخ مكانة الإمارات كدولة سباقة في استكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي، مما يعزز تنافسيتها عالمياً. رابعاً: بناء خبرات وطنية قادرة على قيادة المستقبل الرقمي.
وأشار الدكتور بخيت إلى أن الإمارات، من خلال هذه الخطوات، لا تواكب فقط، بل تقود وتبتكر، مؤكداً أن استشرافها المبكر للذكاء الاصطناعي سيضمن لها ريادة مستدامة.
وقال إن تأهيل 80 ألف موظف في الحكومة الاتحادية وتدريبهم على الذكاء الاصطناعي المساعد سوف يحدث نقلة نوعية، ويمنح الدولة ميزة تنافسية مقارنة بالنماذج التقليدية للتدريب، إذ ستتحول الحكومة إلى «منظومة استباقية ومرنة»، مشيراً إلى أن البرنامج سيؤدي إلى خفض التكاليف التشغيلية وزيادة إنتاجية الموظف.
وأكد أن حكومة الإمارات تعيد هندسة الخدمات الحكومية وفق رؤية مستقبلية طموحة، منوهاً بأن المرحلة المقبلة من الخدمات الحكومية لن تقوم على فكرة الخدمة عند الطلب، بل على «الخدمة قبل الطلب»، وأن الحكومة ستنتقل تدريجياً من الرد على احتياجات المتعامل إلى التنبؤ بها وتقديم الحلول قبل أن يطلبها، مضيفاً هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي المساعد في تحليل أنماط السلوك والاحتياجات، وربط البيانات الحكومية بشكل ذكي، وبناء تجارب شخصية لكل متعامل، وتقديم خدمات أكثر سرعة ودقة ومرونة.
وضرب مثالاً مستقبلياً بقوله إن الخدمات الحكومية يمكن أن تصبح قادرة على اقتراح فرص تدريب، أو خدمات صحية، أو حلول استثمارية بشكل استباقي بناءً على البيانات والسياق الشخصي للمتعامل.
وشدد على فئة «تدريب المدربين»، معتبراً أنها من أهم عناصر استدامة البرنامج، لأنها تنقل المعرفة من مرحلة المبادرة إلى مرحلة «الثقافة المؤسسية المستدامة»، موضحاً أن هذه الفئة ستضمن بناء خبرات وطنية داخل الحكومة نفسها، وتحديث المهارات بشكل مستمر، كما ستسهم في نقل المعرفة بين الجهات الحكومية، وخلق منظومة تعلم ذاتي داخل القطاع الحكومي، ما يضمن استمرارية التطوير والابتكار.