الإمارات والهند: شراع الثقافة وشاشة الإبداع.. عناق يتجدد وشراكة جوهرية

 متحف «زايد - غاندي».. قصص التبادل الثقافي ومنارات التسامح والتعايش في رؤى قائدين استثنائيين
متحف «زايد - غاندي».. قصص التبادل الثقافي ومنارات التسامح والتعايش في رؤى قائدين استثنائيين

تأتي زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، إلى دولة الإمارات لتؤكد أن ما يربط أبوظبي بنيودلهي ليس مجرد مصالح عابرة بل هو نسيج إنساني وثقافي ضارب في القِدَم، تشكلت خيوطه عبر قرون من التبادل الذي بدأ بمراكب اللؤلؤ والتوابل وصولاً إلى اليوم، حيث تمتزج الفنون والسينما لترسم صورة للشراكة بين الشعبين.

خلف ناطحات السحاب ومنصات الأعمال، يعيش البلدان حالة من التناغم الثقافي الفريد، فالجالية الهندية في الإمارات شريك أصيل في رسم الملامح الثقافية للمجتمع الإماراتي، وهذا التمازج نراه بوضوح في: ​المبادرات المؤسسية: وأبرز الأمثلة في الصدد «منتدى مجلس الثقافة الإماراتي الهندي»، الذي تأسس في سبتمبر 2022 ويعمل على إحياء التراث المشترك، وتنظيم مهرجانات فنية تجمع بين الموسيقى الإماراتية الكلاسيكية والرقصات الهندية العريقة.

ولا يعمل هذا المجلس ككيان بروتوكولي فحسب، بل هو محرك فعلي للمبادرات التي تهدف إلى ترسيخ الروابط الثقافية وتبادل الخبرات في قطاعات حيوية.

وقد شهد المجلس اجتماعات مشتركة مؤخراً، كان آخرها في مايو 2026 وأكتوبر 2025، حيث تم التركيز على المحاور التالية:

أولاً، ​حماية التراث غير المادي

يسعى المجلس إلى إطلاق مشاريع توثيق مشتركة للحرف اليدوية التقليدية التي تتشابه في البلدين، مثل فنون النسيج والتطريز، وصناعة البخور والروائح العطرية، وربط الحرفيين الإماراتيين بنظرائهم الهنود لتبادل التقنيات وضمان استدامة هذه الفنون للأجيال القادمة.

ولعل أبرز مثال في هذا الصدد هو مشروع «بيت الهند» (India House)، حيث يُعد إنشاء هذا المركز في أبوظبي أحد أبرز مخرجات التعاون، فهو منصة حية لعرض الفنون، التقاليد، والموروثات الشعبية غير المادية.


الفنون الهندية تحوز شعبية كبيرة في الإمارات
الفنون الهندية تحوز شعبية كبيرة في الإمارات

ثانياً، ​أكاديمية الفنون المشتركة

هناك توجه وتعاون فاعلان لدعم برامج الإقامة الفنية، حيث يستضيف «حي دبي للتصميم» أو «المنطقة الثقافية في السعديات» فنانين من الهند للعمل جنباً إلى جنب مع فنانين إماراتيين، مما ينتج أعمالاً فنية هجينة تجمع بين الروح الشرقية للهند والحداثة الإماراتية.

ثالثاً، ​مبادرات التعليم الثقافي والرياضة

يولي المجلس، إلى جانب الفنون، اهتماماً كبيراً بقطاعي التعليم والرياضة كوسيلة للتقارب الشعبي. ويشمل ذلك تنظيم بطولات ودية وفعاليات رياضية مجتمعية، فضلاً عن المنح الدراسية في مجالات الآثار والمتاحف، لتمكين الكوادر الوطنية من الاستفادة من التجربة الهندية العريقة في إدارة المواقع التاريخية.

رابعاً، الفنون البصرية

ويتجسد أهم ملامح ذلك في استضافة متحف اللوفر أبوظبي ومتاحف وطنية أخرى، لقطع أثرية هندية تروي قصة حضارتين (الهندية والإماراتية) ازدهرتا معاً، مما يعزز الفهم المتبادل للهوية والتاريخ.

خامساً، ​اللغة والمطبخ

وتعكس البرامج المشتركة في الخصوص، التداخل الذي نلمسه في مفرداتنا اليومية وفي مطابخنا، حيث أصبحت «النكهات» جزءاً من الهوية الثقافية المشتركة التي تعكس التسامح والتعايش.

​السينما: حين تصبح الإمارات «بلاتوه» بوليوود المفضل

​في السنوات الأخيرة، لم تعد السينما الهندية مجرد ضيف على دور العرض الإماراتية، بل أصبحت الإمارات «الموقع» والملهم لقصص «بوليوود». فلقد تحولت شوارع دبي وصحاري أبوظبي إلى منصات وفضاءات بصرية لأهم الأفلام العالمية، ومن أبرز هذه المحطات:

أولاً، ​أبوظبي.. عاصمة الأكشن

اختار نجوم مثل سلمان خان، صحراء العاصمة لتصوير ملحمة «Tiger Zinda Hai» وفيلم «Bharat»، واستفاد صناع فيلم «Vikram Vedha» من التسهيلات الإبداعية لبناء عوالم سينمائية مبهرة.

ثانياً، دبي.. أيقونة الشاشة

احتضنت مدينة دبي النجم شاروخان في فيلم «Happy New Year» الذي صُور في «أتلانتس النخلة»، مروراً بمطاردات فيلم «Pathaan» الملحمية في قلب «داون تاون دبي». كما شهدت الفترة الأخيرة تصوير أجزاء من فيلمي «Crew» و «Bade Miyan Chote Miyan»، مما جعل المعالم الإماراتية جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة السينمائية لملايين الهنود.

ثالثاً، إنتاج المحتوى المشترك

لم يعد التعاون والتفاعل الثقافي والإبداعي بين الدولتين يقتصر على توفير مواقع تصوير، بل بدأنا نرى تعاوناً نوعياً في «ما وراء الكواليس». فالكثير من الفنيين الإماراتيين والمبدعين الشباب يشاركون في أطقم عمل الأفلام الهندية التي تُصور في الدولة، مما يساهم في نقل «تكنولوجيا السينما» الهندية إلى الكوادر المحلية.

بالإضافة إلى ذلك، أصبحت المهرجانات السينمائية في الإمارات (مثل مهرجان الشارقة السينمائي الدولي للأطفال والشباب) تخصص منصات واسعة للسينما الهندية المستقلة، بعيداً عن صخب بوليوود التجاري، للتعريف بالقصص الإنسانية العميقة التي تعبر عن واقع المجتمع الهندي المعاصر.

رابعاً، القوة الناعمة والمستقبل المشترك

​إن هذا التعاون لا يتوقف عند «تصوير المشاهد»، بل يمتد إلى تبادل الخبرات بين المبدعين الإماراتيين والهنود في مجالات الإنتاج والإخراج وتطوير المحتوى الرقمي. فالإمارات اليوم توفر للسينما الهندية نافذة نحو العالمية، بينما تقدم الثقافة الهندية للإمارات ثراءً إنسانياً يعزز من مكانتها كمركز عالمي للتلاقي الحضاري.

​ختاماً، إن زيارة مودي هي احتفاء بهذا الإرث المشترك، ودعوة لمواصلة كتابة فصول جديدة من قصة حب بدأت من البحر، واستقرت اليوم على شاشات السينما وفي قلوب الناس.