علاقة فريدة تحلّق بأجنحة التفاعل الحضاري والفن والإبداع والجمال

أكد عدد من الكتّاب والمثقفين الإماراتيين أن زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، إلى دولة الإمارات تعكس عمق العلاقات التاريخية بين الدولتين في شتى المجالات، من بينها الثقافة والفنون والإبداع، التي أثمرت وتثمر حالة تفاعل وتعاون فكري وإبداعي بين الطرفين، يعزز قيم شراكتهما ويثري ويقوي ركائز تناغمهما وتعاضدهما في سبيل نشر قيم السلام والخير والجمال والمحبة في عالمنا.

يقول الأديب علي عبيد الهاملي، نائب رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم: «على خلاف ما يتجه إليه الذهن دائماً عند الحديث عن العلاقات الإماراتية الهندية، وحصرها في مجال الاقتصاد والتجارة والاستثمار، تضرب العلاقات الثقافية بين البلدين بجذورها عميقاً، إذ شكلت وتشكل جسراً إنسانياً ممتداً عبر عقود طويلة من الزمن، حتى أصبحت هذه العلاقات جزءاً من ذاكرة مشتركة بين الشعبين الإماراتي والهندي».

ويضيف: «منذ وقت مبكر ذهب العديد من أبناء الإمارات للدراسة وتلقي العلوم في الهند، قبل أن يدخل التعليم النظامي الإمارات في أوائل النصف الثاني من القرن العشرين، وعادوا من هناك محملين، ليس بالعلم فقط، وإنما بتمازج حضاري ترك أثره هنا وهناك، وغدا واحداً من العوامل المشتركة بين شعبي البلدين.

لهذا فنحن لا نبالغ حين نقول إن العلاقة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية الهند لم تُبنَ على المصالح وحدها، وإنما على التفاعل الحضاري الحي، وعلى قدرة الثقافة والفن والإبداع على اختصار المسافات بين البشر، مهما اختلفت اللغات والأديان والعادات».

وتابع الهاملي: «مثلما ترك أبناء الإمارات الذين ذهبوا للدراسة والتجارة في الهند أثراً في المجتمع الهندي، فإن من يتأمل المشهد الثقافي في الإمارات يدرك حجم الحضور الهندي فيه، باعتباره جزءاً من نسيج المجتمع، وعنصراً فاعلاً في صناعة الحياة اليومية والجمال الإنساني، فقد حملت الجالية الهندية معها إلى الإمارات موسيقاها، وألوانها، ورقصاتها، وسينما بوليوود الشهيرة، وفنونها التشكيلية، وموروثها الأدبي العريق، ولم تعش في عزلة ثقافية، إذ انفتحت على البيئة الإماراتية، وتأثرت بها، وأسهمت في إثرائها، حتى نشأت حالة فريدة من التفاعل الخلاق بين ثقافتي البلدين وفنونهما وكل مجالات الإبداع فيهما.

وفي المقابل، قدمت الإمارات نموذجاً حضارياً متقدماً في احتضان التنوع الثقافي، وتحويله إلى مصدر قوة ناعمة، لا إلى عنصر تنافر أو صراع، ولذلك لم يكن غريباً أن تتحول مدن الإمارات إلى منصات عالمية، يلتقي فيها الفنانون والمبدعون من مختلف الجنسيات، وفي مقدمتهم الهنود الذين وجدوا في الإمارات فضاءً رحباً للإنتاج والتألق».

وأوضح الهاملي أن البلدين اكتشفا مبكراً أن الثقافة ليست ترفاً، وعرفا أنها لغة قادرة على بناء الثقة، وتعميق التفاهم، وصناعة مستقبل أكثر إنسانية.

ومن هنا جاءت الشراكات الفنية، والمعارض المشتركة، والمهرجانات السينمائية، والتعاون في مجالات النشر والترجمة والتعليم الإبداعي، لتؤكد أن العلاقات الإماراتية الهندية تجاوزت حدود السياسة والاقتصاد، لتصل إلى مساحة أكثر دفئاً وعمقاً، مساحة الإنسان نفسه، بكل ما يحتويه من ثقافة وحضارة ممتدة.

وأكد الكاتب الإماراتي علي أبو الريش، أن العلاقات بين الهند والإمارات بدأت منذ أعوام طويلة جداً في كافة المجالات الاقتصادية والتجارية والاجتماعية والمعرفية، وأيضاً الفنية والثقافية والتاريخية، وهناك تداخل عميق بين المجتمعين، ومن الطبيعي أن تكون هناك علاقات سياسية واقتصادية وثقافية حتى الآن.

وقال: «يجمعنا المحيط الهندي، ولم تكن هناك أي عوائق في التواصل والوصول وتبادل التجارة والمعرفة وغيرها الكثير، والعلاقات قائمة على التوافق والتكامل الاقتصادي والثقافي، ونجد أن غالبية سكان الإمارات، خاصة كبار المواطنين، يتحدثون الهندية بطلاقة نتاجاً لتلك العلاقات المباشرة بين البلدين بشكل كبير».

وبيّن أبو الريش أن الهند قامت بترجمة العديد من الأعمال الأدبية والروائية الإماراتية، وأنه أحد هؤلاء. وتابع: «تم تأليف كتاب عني ضمن إحدى الرسائل للحصول على درجة الدكتوراه في جامعة بنغالور الهندية. ولست الوحيد بالتأكيد. كما هناك العديد من المعارض الفنية والثقافية المشتركة، ومهرجانات السينما، وكذلك تصوير الأفلام والإنتاج وغيرها الكثير».

وأشارت الأديبة د. مريم الشناصي، إلى أن علاقتها بالهند تمتد إلى زمن جدها الذي كان يعمل في استيراد الأخشاب ومستلزمات البناء، وبعد ذلك أكمل المسيرة والدها الذي عمل في استيراد الأقمشة والعطور.

وأضافت: «لقد ركزت في إطار جهودي لإثراء سياقات العلاقات الثقافية المميزة بين الإمارات والهند، على تأسيس مكتبات للأدب الخليجي والعربي وتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، بالإضافة إلى المؤتمرات الثقافية في الأدب العربي، وكذلك الورش وبرامج التدريب.

كما أطلقت جائزة مريم الشناصي للشعر العربي المخصصة للشعراء الهنود الذين يكتبون الشعر باللغة العربية الفصحى، وأتحت الفرصة لإقامة المسابقات والبرامج الداعمة للشعر العربي في الهند.

وأيضاً أسهمت في ترجمة المؤلفات والروايات الإماراتية إلى عدد من اللغات الهندية، من بينها: السنسكريتية، والهندية، والأوردية، والمالايالامية، والتاميلية.

كذلك أعمل سنوياً بالتنسيق مع الجامعات والكليات الهندية على استضافتها للكتّاب والأدباء من دولة الإمارات ونشر الأبحاث والدراسات حول الإصدارات المحلية، علاوة على استضافة الدارسين للغة العربية من الهند».