أكد تقرير «مستقبل الروبوتات الاجتماعية»، الذي أصدره مؤخراً مركز الثورة الصناعية الرابعة في الإمارات، الذي تشرف عليه مؤسسة دبي للمستقبل، أن العالم يشهد تحولاً متسارعاً في دور الروبوتات الاجتماعية، التي أصبحت أدوات فاعلة تتفاعل مع البشر في مختلف جوانب حياتهم اليومية، وباتت حاضرة في قطاعات حيوية؛ مثل الرعاية الصحية والتعليم وخدمة المتعاملين، حيث تتميز بقدرتها على التفاعل عبر الكلام والإيماءات والسلوكيات التي تحاكي التواصل الإنساني.
وسلط التقرير الضوء على تجربة دبي بوصفها نموذجاً متقدماً في هذا المجال، حيث أظهرت الدراسات مستويات عالية من تقبل المجتمع لاستخدام الروبوتات، خصوصاً في الأماكن العامة، ما يعكس تسارع تبني التقنيات الذكية في الإمارة وترسيخ موقعها مركزاً عالمياً للابتكار.
كما بيّنت النتائج تفضيل المستخدمين الروبوتات ذات التصميم الآلي الواضح، مقابل تحفظهم على استخدامها في المهام التي تتطلب حساسية إنسانية عالية، مثل التعامل مع الشكاوى، وذلك وفقاً لدراسة أجرتها مختبرات دبي للمستقبل، شارك فيها أشخاص من مختلف الجنسيات المقيمة في الإمارة، بهدف فهم كيفية إدراك السكان للروبوتات الاجتماعية وقبولهم لها في الأماكن العامة، مثل مواقف الجمهور تجاه الروبوتات في البيئات الخدمية كمراكز التسوق، والمطارات، والفنادق، والمتاحف، والمستشفيات، ومراكز النقل.
وبحسب نتائج الدراسة فإن 74.5 % من المشاركين أيدوا استخدام الروبوتات في مراكز التسوق، بينما أيد 59.6 % استخدام الروبوتات في الفنادق، ووافق 69.6 % على استخدامها في المطارات، وفضل المشاركون في الدراسة الروبوتات ذات الشكل الشبيه بالبشر، ولكن بطابع ميكانيكي على الروبوتات شديدة الشبه بالبشر أو المستوحاة من الحيوانات.
وقدّر المشاركون دور الروبوتات في مجموعة واسعة من المهام، مثل تقديم المعلومات، والإرشاد، ودعم التواصل متعدد اللغات، فيما يفضل الناس التعامل مع الشكاوى أن يبقى بشرياً، كما اختلف مستوى القبول حسب المكان، فقد اعتُبرت الأماكن التجارية والمكتبات ومحطات النقل بيئات مناسبة للروبوتات الاجتماعية، وتبين هذه النتائج أن الفائدة العملية والتفضيلات الثقافية تعد من العوامل الأساسية في تقبل هذه التكنولوجيا.
انتشار التقنيات
وأوضح التقرير تسارع انتشار هذه التقنيات بشكل ملحوظ خلال جائحة كوفيد-19، عندما برزت الحاجة إلى حلول تقلل الاحتكاك البشري وتوفر دعماً نفسياً ولوجستياً في آن واحد، حيث تلعب الروبوتات في قطاع الرعاية الصحية دوراً متنامياً كمرافقين ومساعدين، وتستخدم لتقديم الدعم النفسي للمرضى، وتسهيل التواصل مع الأطباء والعائلات، إلى جانب تنفيذ مهام مثل توصيل الأدوية ومراقبة المؤشرات الحيوية. كما أظهرت دراسات حديثة إمكانية توظيفها في تحسين الصحة النفسية من خلال برامج تفاعلية موجهة.
وذكر التقرير أن الروبوتات تبرز في قطاع التعليم كشركاء داعمين للعملية التعليمية، من خلال المساهمة في تعزيز تفاعل الطلاب وتحفيزهم، وتقديم محتوى تعليمي مخصص، إلى جانب دعم المعلمين في متابعة الأداء الأكاديمي، إذ تشير النتائج إلى أن هذه التقنيات لا تهدف إلى استبدال المعلم، بل إلى تعزيز جودة التعليم، خصوصاً في البيئات التي تعاني من نقص الموارد.
وأما في مجال خدمة المتعاملين فتستخدم الروبوتات لتعزيز تجربة المستخدم وإبراز الطابع الابتكاري للمؤسسات، من خلال استقبال الزوار، وتقديم المعلومات، وإرشادهم داخل المرافق مثل المراكز التجارية والمطارات والفنادق، ما يعكس تحولاً في مفهوم الخدمة التقليدية.
قبول ثقافي
وذكر التقرير أن اليابان تعد من أبرز الدول في تبني الروبوتات الاجتماعية، خصوصاً في مجالات رعاية كبار السن، والضيافة، والخدمات العامة، ويرجع ذلك إلى شيخوخة السكان، حيث تزيد نسبة من هم فوق 65 عاماً على 30 %، إضافة إلى توقع نقص في عدد مقدمي الرعاية، وأن الحكومة اليابانية استثمرت أكثر من 300 مليون دولار في البحث والتطوير لروبوتات رعاية كبار السن. وتُستخدم روبوتات مثل «Pepper» و«Paro» على نطاق واسع، حيث يُستخدم «Paro» في دور الرعاية لتقديم دعم عاطفي لمرضى الخرف، وقد أظهرت الدراسات أنه يقلل من القلق والاكتئاب والحاجة إلى المهدئات.
تحديات متعددة
ورغم الفرص الواعدة، يواجه انتشار الروبوتات الاجتماعية تحديات متعددة، من أبرزها المخاوف المرتبطة بالخصوصية والأمن السيبراني، واحتمالية تقليل التفاعل الإنساني، إضافة إلى الفجوة بين التطور التقني والتطبيق الفعلي، كما يمثل ضعف التكامل مع الأنظمة القائمة ونقص التدريب عائقين رئيسيين أمام التبني الواسع.
وشدد التقرير على أن نجاح هذه التكنولوجيا لا يرتبط فقط بالتقدم التقني، بل يتطلب تصميمها بما يتماشى مع القيم الثقافية واحتياجات المجتمعات، كذلك وضع أطر تنظيمية وأخلاقية واضحة تضمن الاستخدام المسؤول.
وأوضح التقرير أن مستقبل العلاقة بين الإنسان والروبوت سيتحدد بناءً على القرارات التي يتم اتخاذها اليوم، داعياً إلى تعزيز التعاون بين الحكومات والمطورين والمجتمع لضمان تطوير هذه التقنيات، بما يخدم رفاه الإنسان ويحافظ على القيم الإنسانية.
