شهد الاقتصاد التركي تدهورا حادا خلال الأيام الأخيرة، حيث سجلت الليرة التركية أسوأ أداء أسبوعي لها منذ عامين، متراجعة بشكل ملحوظ أمام العملات الأجنبية. تزامن هذا الانخفاض مع خسائر ضخمة في البورصة التركية، بلغت قيمتها 67 مليار دولار خلال ثلاثة أيام فقط، نتيجة انخفاض المؤشر العام بنسبة تجاوزت 15%، وهي أكبر خسارة منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
لم يكن هذا الانهيار الاقتصادي بمعزل عن التوترات السياسية التي اجتاحت البلاد مؤخرًا. فقد اندلعت موجة احتجاجات كبيرة في العديد من المدن التركية، إثر قرار إلغاء الشهادة الجامعية لرئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، واعتقاله لاحقا، وهو ما اعتبرته المعارضة محاولة لإقصائه عن المشهد السياسي، نظرا لكونه أبرز منافس محتمل للرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028.
يُعد أكرم إمام أوغلو، المنتمي إلى حزب الشعب الجمهوري المعارض، أحد الأسماء البارزة التي برزت في مواجهة أردوغان، خاصة بعد فوزه بمنصب رئيس بلدية إسطنبول مرتين في عام 2019، متغلبا على مرشح حزب العدالة والتنمية. هذا الفوز كان بمثابة ضربة لحزب أردوغان الذي يسيطر على المشهد السياسي التركي منذ أكثر من عقدين. ومنذ ذلك الوقت، يُنظر إلى إمام أوغلو على أنه تهديد سياسي حقيقي قد يعقد فرص أردوغان في الانتخابات المقبلة.
تزامنًا مع تدهور الوضع الاقتصادي، صعّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من لهجته ضد المعارضة، متهما إياها بـ«إغراق الاقتصاد» عبر تسييس الحكم القضائي بحق إمام أوغلو، وتحريض الشارع على الاحتجاجات، متوعدًا بـ«هزيمة إرهاب الشارع» الذي يهدد استقرار البلاد.
ومع تصاعد الأزمة، حاول البنك المركزي التركي التدخل لوقف النزيف المالي، حيث ضخ 26 مليار دولار في الأسواق في محاولة لدعم الليرة التركية واستعادة ثقة المستثمرين المحليين والأجانب. إلا أن هذه الخطوة لم تكن كافية لوقف التدهور، إذ لا تزال الشكوك تحيط بمدى قدرة الحكومة التركية على استعادة الاستقرار المالي في ظل استمرار الأزمة السياسية.
وأدى تفاقم الأزمة إلى تراجع ثقة المستثمرين بشكل كبير، مما انعكس على نوايا تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية التي تشكل جزءا كبيرا من دعم الاقتصاد التركي.
من ناحية أخرى، عززت هذه التطورات حالة الاستقطاب السياسي في تركيا، حيث انقسم الشارع التركي بين مؤيدي أردوغان الذين يرون في قراراته حمايةً للاستقرار، ومعارضين يعتبرون ما يحدث تقويضا للديمقراطية.
هل التسوية السياسية هي الحل؟
مع استمرار تدهور الاقتصاد وتزايد الغضب الشعبي، يبقى السؤال الأبرز: هل يمكن إيقاف النزيف الاقتصادي بدون التوصل إلى تسوية سياسية في البلاد؟
المراقبون يرون أن أي محاولة لاستعادة الاستقرار الاقتصادي لن تنجح دون معالجة الأزمة السياسية العميقة التي تهدد مستقبل الديمقراطية التركية. فالتوترات المتصاعدة بين الحكومة والمعارضة تُلقي بظلالها على المشهد الاقتصادي، وتجعل أي جهود اقتصادية محدودة الأثر ما لم يُفتح المجال أمام حوار سياسي شامل يعيد التوازن إلى الساحة السياسية.
