اشتباكات حلب.. معركة بين «الاندماج» والحكم الذاتي

اشتباكات حلب أثبتت وجود تعايش هش في العلاقة بين الحكومة السورية (دمشق) و«قسد» مع إصرار «قوات سوريا الديمقراطية» على مشروع الحكم الذاتي ورفضها الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة السورية الجديدة، وهو ما ترفضه دمشق التي ترى أن هذا النموذج يتعارض مع وحدة الدولة السورية التي تشكلت بعد إسقاط النظام السابق.

ولا شك أن فشل جولة المفاوضات الأخيرة التي توسطت فيها واشنطن لتنفيذ اتفاق دمج «قسد» في الجيش كان بمثابة الشرارة التي أشعلت الموقف مجدداً بعد تعثر الحل السياسي، لا سيما أن هذا التصعيد ميدانه مناطق مكتظة بالسكان.

سلوك «قسد» خلال الأسابيع الأخيرة سمته التسخين العسكري في بعض الجبهات، ومحاولة فرض نفسها قوة أمر واقع على السكان، فما يجرى في الشيخ مقصود والأشرفية هو نتيجة متوقعة في ظل غياب الحل النهائي، إلا أن ما كان غير متوقع هو أن يكون التصعيد من قِبل «قسد» على هذا المستوى من العنف والتهديد، لناحية نوعية السلاح المستخدم (المسيرات والصواريخ مثلاً) ولناحية توسيع ميدان التصعيد.كما ان التصعيد أيضا كان من دمشق في الاشتباك  ومحاصرة المنطقة دون البحث عت حلول وسط.

ويهدد عدم دمج قوات «سوريا الديمقراطية» في الجيش السوري بتأجيج العنف، وربما يستدعي تدخل تركيا التي هددت بالتدخل في حال استمرار الاشتباكات ويُنظَر إليها بوصفها طرفاً يراوغ في تنفيذ الاتفاق.

رفع سقف المطالب

ويؤكد محللون أن «قسد» تستخدم التصعيد رافعة تفاوضية؛ لرفع سقف المطالب، وتحسين شروط التفاوض، بتأخير الانتقال إلى المرحلة العملية من الاندماج، على أمل تحسين شروطه أو الحفاظ على مكاسب سياسية، فيما تسعى دمشق لفرض سيطرتها وتطبيق اتفاقات بهدف الضغط العسكري على «قوات سوريا الديمقراطية» لقبول التسوية.

لكن الشيء الذي لا يمكن إغفاله التأثير الأمريكي في تحديد مسار تفكيك «قسد» أو إعادة تشكيلها، إذ لا تزال تحظى بدعم يرتبط بذرائع تتعلق بمحاربة تنظيم داعش، وربما تلجأ واشنطن إلى استخدام أدوات ضغط على «قسد»، بما يتيح الحفاظ على الحد الأدنى من الشراكة معها، ويخفف استياء الحكومة السورية من استمرار «قسد " في رفض التسوية، لا سيما الاندماج في الجيش، واعتبار حيي الشيخ مقصود والأشرفية جزءاً إدارياً من مدينة حلب، وهو ما يمثل خطوة نحو دمج هذه الأحياء بشكل كامل في النسيج الإداري السوري.لكن يتطلب ذلك ليونة من الحكومة السورية في التعامل مع مطالب " قسد" لتحقيق الاندماج لاسيما العسكرية  وعدم تضييع امتيازات كانت تتمتع بها سابقا.

وصفة علاج

قدم اتفاق 10 مارس 2025 بين دمشق و«قسد» وصفة علاج نحو إعادة التوحيد الوطني، لكنه عملياً عمل كآلية خفض تصعيد مُدارٍ، لا كحل. حيث يحمل حسب عدد من المحللين بعض الثغرات التي ساهمت في تأجيج الخلاف.

وبناء على عدة معطيات تبدأ بالمماطلة  من الجانبين وعدم الجدية في التعاطي مع الاتفاق فقد كثّفت «قسد» قصفها للمناطق الآهلة لإحراج الدولة السورية والضغط عليها في ثاني أكبر مدن البلاد من حيث عدد السكان والأهمية الاقتصادية، ورسمت ملامح مواجهة تتجاوز حدود الاشتباك الموضعي. ما يستدعي فتح حوار جاد وتقديم تنازلات من الطرفين.