تعود مدينة حلب ساحة لحسم معركة أبعد من كونها على الجغرافيا أو صراع السلطة، حيث تنطوي المواجهة الحالية على أبعاد سياسية مختلفة بحكم طبيعة الصراع وتبدّل الأهداف. ويرى مراقبون أن الاشتباكات التي انطلقت شرارتها الجديدة قبل أيام، ليست حدثاً عابراً بقدر ما هو ضغط ميداني متدرج، لفرض مشهد سياسي مختلف.
التصريحات الرسمية من دمشق تشدد على أن ما يجري هو «فرض سيادة» وإنهاء وضع شاذ داخل المدينة، بينما تتمسك قوات سوريا الديمقراطية «قسد» بخطاب الدفاع عن النفس. وإذ يبدو لافتاً أن لغة الطرفين في الساعات الأخيرة بدت أقل حدّة، فإن هذا قد يُقرأ إما كمؤشر على نضج تفاوضي خلف الكواليس، أو كتمهيد لمعركة أطول تتطلب ضبط السقف الإعلامي.
ولا بد من تذكر أن العامل التركي يفرض نفسه بقوة، وبخاصة في هذه المواجهة، إذ لوحت أنقرة صراحة باستعدادها للتدخل ودعم دمشق إذا طُلب منها ذلك.
تفاوض أم حسم؟
في ضوء ذلك، تبدو الأمور مفتوحة على أكثر من احتمال. استمرار الاشتباكات بالوتيرة الحالية قد يحوّلها إلى حرب استنزاف قصيرة المدى هدفها تعديل موازين التفاوض لا الحسم العسكري الكامل. في المقابل، فإن فشل الضغط الميداني قد يدفع نحو تصعيد أوسع، خاصة إذا ما دخل العامل التركي من باب الدعم اللوجستي أو الاستخباري. أما خيار التهدئة، فيبقى هشاً ومشروطاً بتفاهمات أمنية مؤقتة لا تمس جوهر الخلاف حول مستقبل العلاقة بين دمشق و«قسد».
ويعود جزء من التوتر الحالي إلى اتفاق مارس 2025 بين دمشق و«قوات سوريا الديمقراطية»، الذي هدف إلى ضبط الوجود العسكري داخل المدينة وترتيب شكل العلاقة الأمنية فيها. الاتفاق، الذي بقي إطاراً عاماً من دون آليات تنفيذ واضحة، بقي هشاً وتعثر سريعاً بسبب الخلاف على السلاح والصلاحيات، ما جعله مرجعية مؤجلة أكثر منه تسوية قائمة، وأبقى المدينة عرضة لعودة الاشتباك عند أول احتكاك جدي.
هشاشة التسوية تتعلق أساساً بمسألتي نزع سلاح "قسد" ودمج القوات بالجيش السوري، وهما مرتبطان أساساً بالوضع السوري بشكل عام والثقة في المسار الداخلي. فالقوات الكردية تخشى إنهاء كيانها المسلح في حين لا يبدو المستقبل واضحاً، وفي دمشق يعتبرون أن بقاء "قسد" قوة مسلحة يهدد وحدة الأراضي السورية، وهو تشخيص يتفقون فيه مع تركيا.
