الساعة دقت لأن تحقق دمشق ما تطلبه لنفسها، وما يطلب منها ولها الأشقاء والأصدقاء سياسياً واقتصادياً وتشريعياً، على مدى الشهور الماضية، حققت القيادة السورية الجديدة اختراقات خارجية عديدة، سواء في علاقاتها ببيئتها العربية أو بعلاقاتها مع القوى الغربية، وموازنة ذلك بالعلاقة مع روسيا. لكنها تواجه داخلياً قوى ترفض الاندماج في مؤسسات الدولة الناشئة، وترفض تسليم سلاحها، والقبول بسيطرة الدولة على مناطقها.
فما اكتمل في الانفتاح على الخارج لا يزال ناقصاً في الانفتاح على الداخل، حيث قادت الحكومة الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، هذه المرحلة بمنطق إدارة المخاطر والتأسيس لمكاسب مستقبلية، وجرى التركيز على الإمساك بمفاصل الدولة الأساسية.
هذا التعثر لم يكن تقنياً بقدر ما كان سياسياً، وعكس تردداً في إعادة توزيع السلطة على أسس جديدة. ويتزايد الحديث داخل الدوائر السياسية والعسكرية الأمريكية عن ضرورة الانتقال من المعالجات الظرفية والمؤقتة إلى حلول بنيوية طويلة الأمد في الملف السوري.
ففي ظل التداعيات المتعلقة بالحرب على تنظيم داعش، تزداد الضغوط في أمريكا (بخاصة من المعسكر المناهض لـ«الحروب الأبدية» وهم أنصار ترامب) على الانخراط العسكري في سوريا، الأمر الذي يدفع الجانب الأمريكي إلى تكثيف جهوده لـ«البديل»، وهو حتى الآن ينحصر في تمكين القوات الأمنية السورية وإدماج قوات «قسد» في وزارة الدفاع.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون ومحللون تحدثوا لوسائل إعلام أمريكية أن تحدي «داعش» في منطقة البادية وريف حمص الشرقي قد يشكل نقطة دفع لتسريع الجهود السياسية والعسكرية الرامية إلى تحقيق اندماج فعلي بين «قسد» والجيش السوري، بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لإعادة ضبط المشهد الأمني على مستوى البلاد ككل.
ويُنظر إلى هذا الاندماج، من منظور أمريكي، على أنه خطوة مفصلية لمعالجة واحدة من أخطر الثغرات البنيوية التي طبعت الواقع السوري خلال السنوات الماضية، والمتمثلة في تعدد القوى المسلحة، وتداخل مناطق النفوذ، وازدواجية القيادة والسيطرة. فقد أدت هذه البنية المجزأة إلى خلق «مساحات رمادية واسعة»، لا تخضع لسيطرة أمنية متماسكة، الأمر الذي أتاح لـ «داعش» استغلال الفجوات، والتحرك بين خطوط التماس.
في البداية، غلب على الموقف الرسمي خطاب التهدئة، مع إرسال وفود سياسية وأمنية للتواصل مع مشايخ العقل ووجهاء المنطقة، وتأكيد الالتزام بحماية المدنيين، لكن الموقف انفجر في منتصف يوليو حين هاجم مسلحون عشائريون منطقة السويداء لفك الحصار عن البدو في السويداء، وهو ما أدى إلى أكبر حدث أمني في سوريا خلال العام 2025، فقد حدثت عمليات تصفية واسعة أدت إلى مقتل ما لا يقل عن ألفي مدني، كما تدخلت إسرائيل بشكل مباشر، وللمرة الأولى في تاريخها، في صراع داخلي سوري، وقصفت قوات الأمن السورية، ودمرت هيئة الأركان في دمشق.
ولم يبدأ التدخل الإسرائيلي من أحداث السويداء، بل في الساعات الأولى من سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وذلك عبر ضربات جوية، تحت مزاعم «التهديدات الأمنية». في الأشهر الأولى بعد سقوط النظام، حافظت تل أبيب على مستوى منخفض من الانخراط، مفضّلة المراقبة وتجنب التورط المباشر في مشهد سوري غير مستقر بعد. التحول الأول جاء مع اتساع الفراغ الأمني في الجنوب السوري. هنا، بدأت إسرائيل توسيع نطاق اعتداءاتها، ليس فقط من حيث عدد الضربات، بل من حيث طبيعة الرسائل السياسية المرافقة لها.
لم تعد الضربات محصورة بمنشآت أو أهداف محددة، بل تحولت إلى حضور ميداني مباشر في ريف القنيطرة. في مرحلة لاحقة، لم تعد الاعتداءات مقتصرة على الجو، خاصة بعد أحداث السويداء وضغوط القيادات الدرزية في إسرائيل على حكومة نتانياهو للتدخل في السويداء. بدأت إسرائيل بتوسيع وجودها عبر عمليات توغل محدودة، ونقاط مراقبة.
وشكل هجوم تدمر محطة مفصلية، دفعت الولايات المتحدة وشركاءها إلى إعادة تقييم المقاربة الأمنية في سوريا.
في هذا السياق، يمثل الانتقال الأمريكي إلى مناطق وسط سوريا، وفي مقدمتها تدمر، تحولاً نوعياً في طبيعة الانخراط العسكري، لأنه ينقل عمل التحالف، فعلياً، من نموذج العمليات عبر الشركاء المحليين إلى نموذج تعاون مباشر مع مؤسسات الدولة السورية نفسها.
فهذا التوسع فتح مساراً جديداً للتنسيق مع أجهزة لا تزال تخضع لعملية إعادة هيكلة عميقة بعد سقوط النظام السابق، سواء على مستوى القيادة، أو العقيدة القتالية. وقد أثارت الخسائر الأمريكية في هجوم تدمر تساؤلات حقيقية داخل الأوساط السياسية والعسكرية في واشنطن من احتمال الانزلاق إلى نمط استنزاف أمني جديد.
ويستند «داعش» في عودته إلى جملة من العوامل المترابطة، أبرزها تعثر العملية السياسية: الانقسامات داخل سوريا (الجيش السوري، قسد، السويداء) والتي خلقت ثغرات يستغلها التنظيم، كما أن الانسحاب الأمريكي التدريجي، وتقليص القوات من 2000 جندي إلى 1400 نهاية 2025، مع خطط لخفض إضافي بحلول 2026، أضعف العمود الفقري للتحالف الدولي.
هذا القرار يحمل رسائل متعددة: أولها أن الولايات المتحدة باتت مستعدة للتعامل مع الحكومة السورية الجديدة باعتبارها شريكاً، كما يفتح آفاقاً استراتيجية أمام دمشق، وفي مقدمتها السعي للحصول على «تصنيف ائتماني سيادي» يعيد دمج سوريا بالنظام المالي العالمي.
ويعد التصنيف الائتماني مؤشراً تعتمد عليه الوكالات الدولية لتقييم قدرة الدول على سداد ديونها ومستوى المخاطر الاستثمارية، كما يشكل شرطاً أساسياً لجذب الاستثمارات الأجنبية، والاقتراض من الأسواق الدولية، والتعامل مع صندوق النقد والبنك الدوليين.
اختارت مجلة «The Economist» البريطانية سوريا «دولة العام 2025» في تقريرها السنوي الذي اعتادت نشره منذ عام 2013، مشيرة إلى أن هذا التصنيف لا يُمنح للدول الأقوى أو الأغنى، لكن للدول التي تحقق أكبر تحسن ملموس خلال عام واحد على المستويات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية. كما أكد التقرير أن سوريا تمكنت خلال عام 2025 من استعادة جزء من حضورها الدبلوماسي وإنهاء سنوات من العزلة الدولية، مع ظهور مؤشرات إيجابية على بداية تعافٍ مجتمعي بعد سنوات من الحرب والدمار.


