تحليل إخباري
بينما اتسعت دائرة الاعتراف الدولي بدولة فلسطين كان نحو ثلاثة ملايين فلسطيني ينتظرون فرصة انتخاب مجلس تشريعي جديد، بينهم 1.57 مليون ناخب دون الثامنة والثلاثين لم يسبق لهم التصويت في انتخابات تشريعية وطنية، بحسب لجنة الانتخابات المركزية، لكن مرسوماً أصدره الرئيس محمود عباس في 10 أكتوبر نقل الانتخابات التشريعية من 28 نوفمبر 2026 إلى 11 سبتمبر 2027، وحدد اليوم ذاته للاقتراع الرئاسي، الذي كان متوقعاً خلال الربع الأول من 2027 من دون موعد رسمي محدد.
لم يتوقف أثر القرار عند تغيير الجدول الانتخابي، ففي 13 أكتوبر دعت أستراليا وكندا وفرنسا وبريطانيا إلى التراجع عن التأجيل، وهي الدول نفسها التي اعترفت بفلسطين في سبتمبر 2025، وهكذا عادت إلى الواجهة مفارقة تتصل بمسارين مختلفين: اعتراف دولي يتقدم بالدولة، واستحقاق داخلي يتأخر لتجديد شرعية مؤسساتها.
اعتراف دولي.. والتزامات بالإصلاح
لم يكن الاعتراف الغربي منفصلاً عن تعهدات فلسطينية بإجراء انتخابات وتجديد المؤسسات، وهي تعهدات وردت أيضاً في إعلان نيويورك لعام 2025. وفي بيانها المشترك حذرت الدول الأربع من أن التأجيل قد يزيد تآكل ثقة الفلسطينيين بمؤسساتهم الديمقراطية، وربطت الانتخابات ذات المصداقية بالإصلاح السياسي والحكم المسؤول، وبناء مقومات حل الدولتين.
وفي المقابل حرص البيان نفسه على مطالبة إسرائيل بعدم عرقلة الانتخابات، وتوفير الترتيبات الضرورية لمشاركة الفلسطينيين، وهذه نقطة تفصل بين موقفين لا يلغي أحدهما الآخر: مسؤولية إسرائيل عن القيود المفروضة على العملية الانتخابية، ومطالبة القيادة الفلسطينية بالوفاء بالتزاماتها تجاه الناخبين والشركاء الدوليين. وأكدت الدول الأربع في البيان ذاته رفض أي دور لحماس في الحكم الفلسطيني المستقبلي، وهو موقف يضيف تعقيداً سياسياً إلى مسألة المشاركة الانتخابية، وترتيبات الحكم بعد الاقتراع، وسط الانقسام المستمر بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
والأربعاء، قالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي في بيان: «إن التكتل عبر عن أسفه لقرار الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية لمدة تقارب السنة. وأكدت مجدداً أهمية تنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية في أقرب وقت ممكن، بما يتماشى مع الالتزامات السابقة للرئيس عباس».
هل كان الموعد أداة ضغط؟
تقول القيادة الفلسطينية، إن العمليات العسكرية والقيود الإسرائيلية في الضفة الغربية، وصعوبة العمل في غزة، والعقبات أمام مشاركة القدس الشرقية، تجعل إجراء اقتراع حر وشامل أمراً متعذراً.
وأظهرت رسالة من نائب الرئيس حسين الشيخ إلى وزير الخارجية الفرنسي، اطلعت عليها «رويترز» قبل صدور المرسوم، أن السلطة كانت تراهن على تحسن الظروف السياسية والأمنية، لكنها رأت أن تلك التوقعات لم تتحقق.
وتظهر الرسالة ارتباط قرار التأجيل، وفق التقييم الفلسطيني، بترتيبات أوسع، تشمل غزة والضفة الغربية، وليس بعقبات القدس وحدها، غير أن لجنة الانتخابات المركزية كانت قد سلكت مساراً آخر بالتوازي مع الاستعدادات:
ففي 16 سبتمبر دعا رئيسها، رامي الحمدالله، الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى الضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات في مختلف الأراضي الفلسطينية، ومن هنا يبرز تساؤل بشأن ما إذا كان الإبقاء على الموعد، حتى مع استمرار العقبات، سيجعل مسألة تذليلها اختباراً عملياً للشركاء الدوليين، بدلاً من أن يصبح التأجيل الفلسطيني نفسه محوراً للانتقادات.
وتقدم انتخابات 2006 سابقة تستحق المقارنة، فعلى الرغم من الاعتراضات الإسرائيلية على اقتراع القدس الشرقية واصلت الأطراف المعنية الاستعدادات، وتمسكت بالموعد. وبحسب بعثة الاتحاد الأوروبي للمراقبة وافقت إسرائيل قبل عشرة أيام من التصويت على ترتيبات محدودة داخل مكاتب بريد بالقدس، فأُجريت الانتخابات في 25 يناير.
لم تكن تلك الترتيبات عادلة أو كافية بنظر المراقبين، لكنها سمحت بإنجاز الاقتراع رغم القيود، أما في 2021 فأفضى خلاف مشابه بشأن القدس إلى تأجيل الانتخابات. وطالب الاتحاد الأوروبي آنذاك إسرائيل بتسهيل التصويت، ودعا إلى تحديد موعد جديد، لكن الانتخابات لم تُجرَ.
وفي قراءة نشرها في مايو من ذلك العام اعتبر الباحث هيو لوفات، من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن إلغاء العملية الانتخابية فوّت فرصة الجمع بين الضغط الدبلوماسي والتعبئة الشعبية للضغط على إسرائيل. كان ذلك تقييماً لتجربة 2021، وليس تعليقاً على القرار الحالي.
تباين نتائج 2006 و2021 يمنع اعتبار التمسك بالموعد ضمانة لنجاح الضغط الدولي، كما أن الظروف الراهنة، خصوصاً في غزة، تختلف كثيراً عن التجربتين، لكن المقارنة تطرح سؤالاً مشروعاً عن أثر استمرار الاستحقاق الانتخابي، وما إذا كان قرار التأجيل قد نقل جانباً من الضغط السياسي من العقبات الإسرائيلية إلى خيارات السلطة الفلسطينية.

