من غزة إلى الضفة.. الميدان يسبق السياسة

الدخان يتصاعد من منزل أسير فلسطيني أثناء تفجيره من قبل الجيش الإسرائيلي في قرية بيت عمرين بالضفة / أ.ف.ب
الدخان يتصاعد من منزل أسير فلسطيني أثناء تفجيره من قبل الجيش الإسرائيلي في قرية بيت عمرين بالضفة / أ.ف.ب


في غزة، هناك خارطة طريق تنتظر أن تتحول إلى خطوات على الأرض. وفي الضفة الغربية، الأرض نفسها تتغير تحت وقع الاقتحامات والتعزيزات العسكرية والاستيطان.
مشهدان مختلفان في الشكل، لكنهما يلتقيان عند حقيقة واحدة: ما يجري ميدانياً لا يزال أسرع من السياسة.
ففي القطاع، أعلنت حركة «حماس»، اليوم، جاهزيتها لتنفيذ خارطة الطريق المتفق عليها مع «مجلس السلام»، وقال المتحدث باسمها، حازم قاسم، إن الحركة اتخذت الخطوات اللازمة للبدء بالتنفيذ. لكنه، في التصريح نفسه، حمّل الحكومة الإسرائيلية مسؤولية تعطيل الاتفاق، واتهمها بعدم الالتزام به، ومواصلة عملياتها العسكرية في غزة، كما طالب الإدارة الأمريكية و«مجلس السلام» بالتحرك لتسهيل دخول لجنة التكنوقراط، والبدء في إدخال القوات الدولية.
أي أن إعلان الجاهزية لم يكن إعلاناً بأن العقبات انتهت. فالخلاف على التنفيذ لا يزال قائماً، فيما ترتبط خارطة الطريق بسلسلة خطوات، تشمل وقف العمليات العسكرية، وترتيبات الانسحاب الإسرائيلي، ونقل إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية، ونشر قوة دولية، إلى جانب ملف نزع سلاح الفصائل.
والمشكلة ليست في وجود الخطة، بل في الوصول إليها.
إسرائيل تربط استكمال الانسحاب بترتيبات نزع السلاح، بينما تطالب «حماس» بتنفيذ الالتزامات الإسرائيلية، ووقف العمليات بالتوازي مع بقية بنود الاتفاق. وبين الموقفين، تبقى الخارطة أمام اختبار التنفيذ، لا اختبار الصياغة.
أما على الأرض، فلا تزال غزة تدفع الثمن. ففي اليوم نفسه الذي تحدثت فيه «حماس» عن جاهزيتها، قُتل فلسطينيان وأصيب آخرون في استهدافات إسرائيلية وسط القطاع. وأفادت مصادر فلسطينية بأن أحدهما قُتل بنيران إسرائيلية غربي بلدة الزهراء، فيما قُتل آخر وأصيب آخرون إثر استهداف مركبة قرب المستشفى الأمريكي في الزوايدة.
وهنا تبدو المفارقة أكثر وضوحاً. في نيويورك، تُطرح خطط للتعافي وإعادة البناء، وفي غزة لا يزال النقاش يبدأ من وقف النار، وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه. كما أن إعادة الإعمار نفسها ما زالت مرتبطة بتجاوز الملفات السياسية والأمنية العالقة، في وقت لم تبدأ فيه عملية تعافٍ واسعة، تتناسب مع حجم الدمار الذي خلفته الحرب.
ومن غزة، التي تنتظر أن تتحول الخارطة إلى واقع، إلى الضفة الغربية، التي تشهد وقائع تتحرك بوتيرة مختلفة.
فقد قرر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، تفعيل قيادة الفرقة 98 في الضفة، وإسناد المسؤولية إليها عن مناطق في جنوبها، بما فيها محافظة الخليل. وتضم الفرقة ألوية من المظليين ووحدات الكوماندوز، فيما ربطت تقارير إسرائيلية القرار بتقديرات باحتمال ارتفاع مستوى التوتر خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع الأعياد اليهودية، وموسم قطف الزيتون، واقتراب الانتخابات الإسرائيلية.

اقتحام

وفي قلقيلية وعزون، اقتحمت قوات إسرائيلية الأحياء والمنازل، ونفذت اعتقالات وعمليات احتجاز وتحقيق ميداني. وفي عزون وحدها، تحدثت مصادر محلية عن دخول نحو 15 آلية عسكرية يرافقها أكثر من 30 جندياً، بينما استمرت العملية في قلقيلية، وفرضت القوات طوقاً على مناطق في المدينة. وأفادت المصادر بإصابة فلسطينيين بالرصاص، أحدهما فتى يبلغ 14 عاماً.وتحركت القوات الإسرائيلية في مناطق أخرى أيضاً، من نابلس وطولكرم إلى محيط القدس.

حيث شُددت الإجراءات على الحواجز. وفي بيت إمرين شمال غربي نابلس، فجرت القوات الإسرائيلية منزل الأسير دواس حسون بعد إجبار سكانه على إخلائه.والصورة في الضفة الغربية المحتلة لا ترسمها القوات الإسرائيلية وحدها.ففي اليوم نفسه، طرحت السلطات الإسرائيلية عطاءً لبناء 400 وحدة استيطانية في مستوطنة «كرني شومرون» شرقي قلقيلية.

وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، يمثل طرح العطاء انتقالاً من مرحلة التخطيط إلى التسويق والتنفيذ، في إطار توسيع المستوطنات القائمة، وزيادة قدرتها الاستيعابية.وعلى بعد عشرات الكيلومترات، كانت الجرافات تكتب مشهداً آخر.ففي بيت ريما شمال غربي رام الله، اقتُلعت أكثر من 400 شجرة زيتون،

وجُرف نحو 31 دونماً من الأراضي، بعد أمر عسكري صدر قبل يومين بإزالة الأشجار والغطاء النباتي. وتقول هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إن السلطات الإسرائيلية أصدرت حتى 22 سبتمبر 51 أمراً مماثلاً، استهدفت نحو 2093 دونماً.والتوقيت هنا ليس تفصيلاً.  

وسم قطف الزيتون يقترب، وهو موسم يرتبط بدخل آلاف الأسر الفلسطينية، وبعلاقتها بأرضها في الوقت نفسه.وبالتوازي، سجلت مناطق عدة اعتداءات من قبل مستوطنين، شملت إحراق مركبات، والاعتداء على فلسطينيين وممتلكاتهم، فيما اقتحم مستوطنون المسجد الأقصى تحت حراسة الشرطة الإسرائيلية، بحسب مصادر فلسطينية.

لا تبدو الضفة أمام حادثة منفردة يمكن قراءتها بمعزل عما حولها. هناك تعزيز عسكري، واقتحامات واعتقالات، وفي المسار نفسه، تتقدم مشاريع استيطانية، وتتواصل عمليات مرتبطة بالأرض والمزارعين والمستوطنات.

وفي غزة، الصورة مختلفة، لكنها ليست أكثر هدوءاً.هناك اتفاق وخارطة طريق، ولجنة يفترض أن تتولى إدارة القطاع، وقوة دولية يجري الحديث عن نشرها، لكن هناك أيضاً قصف وقتلى وخلاف على من ينفذ ماذا أولاً.