12 دولة تنتقل بدرجات متفاوتة من إدانة الاستيطان إلى إجراءات اقتصادية.. و«E1» يختبر تحولاً غربياً لم يكتمل بعد
لوقت طويل، بدت المعادلة الغربية تجاه الاستيطان الإسرائيلي مستقرة إلى حد كبير: رفض قانوني وسياسي، تحذيرات من تقويض حل الدولتين، وعقوبات محدودة على أفراد متورطين في أعمال عنف، من دون أن يمتد الخلاف بصورة واسعة إلى العلاقات الاقتصادية مع النشاط الاستيطاني نفسه.
ما جرى أمس الثلاثاء يشير إلى أن هذه المعادلة بدأت تتغير.
12 دولة غربية، بينها بريطانيا وفرنسا وكندا وإسبانيا والنرويج والسويد والدنمارك، أعلنت عزمها فرض قيود وطنية أو دعم قيود أوروبية على التجارة مع المستوطنات. بريطانيا وفرنسا وكندا ذهبت أبعد، مؤكدة المضي نحو حظر وطني لسلع المستوطنات، فيما كانت إسبانيا قد فرضت حظراً بالفعل، واتخذت دول أخرى خطوات متفاوتة في الاتجاه نفسه.
ليس ذلك جبهة غربية موحدة ضد إسرائيل، ولا تحولاً عن الالتزام بأمنها. البيان نفسه يعترف صراحة بالمصالح الأمنية المشروعة لإسرائيل، ويضع الإجراءات في إطار حماية حل الدولتين. لكنه يمثل شيئاً مختلفاً ومهماً: مجموعة متزايدة من حلفاء إسرائيل لم تعد ترى أن الإدانة السياسية وحدها كافية عندما يتعلق الأمر بالاستيطان.
وهنا يكمن التحول.
من الإجماع على الخطر إلى التحرك
لم يبدأ المسار في الثامن من سبتمبر.
في العشرين من أغسطس، وقّع قادة وحكومات أكثر من 20 دولة، إلى جانب المفوضية الأوروبية، بياناً مشتركاً ضد طرح مناقصات البناء في مشروع «E1». وضمت القائمة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا وهولندا والنرويج وأستراليا ونيوزيلندا ودولاً أوروبية أخرى.
البيان لم يكتفِ بوصف المشروع بأنه غير مقبول، وإنما حذر الشركات من المشاركة في مناقصاته، وطالبها بإدراك التداعيات القانونية والمخاطر على السمعة التي يمكن أن تنجم عن المشاركة في نشاط قد يرتبط بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، انتقلت 12 دولة من هذا الاعتراض الواسع إلى البحث في أدوات التجارة نفسها.
وهذا التسلسل مهم لفهم ما يحدث: لم تظهر العقوبات التجارية فجأة، بل جاءت بعد اتساع الاعتقاد لدى عواصم غربية بأن التطورات على الأرض بدأت تتجاوز قدرة البيانات الدبلوماسية التقليدية على التأثير فيها.
لكن الانتقال ليس متساوياً.
إسبانيا سبقت الآخرين، إذ أقرت في سبتمبر 2025 حظر استيراد المنتجات القادمة من المستوطنات، إلى جانب منع الإعلان عن هذه السلع والخدمات المقدمة فيها. وهولندا تعمل على إجراءات وطنية لإبعاد منتجات المستوطنات عن سوقها. أما النرويج فطرحت مشروع قانون أوسع لا يتناول الاستيراد فقط، بل التصدير إلى المستوطنات وشراء العقارات وتقديم خدمات البناء والهندسة والعمارة والوساطة العقارية المرتبطة بها.
وفي مايو، كان الاتحاد الأوروبي قد فرض عقوبات إضافية على أربعة كيانات وثلاثة أفراد من المستوطنين والمنظمات الداعمة لهم، رابطاً الإجراءات بانتهاكات بحق الفلسطينيين والتهجير القسري.
المشهد، إذاً، أكبر من قرار بريطاني منفرد. ما يتشكل هو سلسلة من الخطوات الوطنية والأوروبية غير المتطابقة، لكنها تتحرك في اتجاه واحد: محاولة الفصل بصورة أوضح بين العلاقات مع إسرائيل وبين النشاط الاقتصادي المرتبط بالمستوطنات.
بريطانيا.. دلالة تتجاوز التجارة
وسط هذا المشهد، تظل بريطانيا الحالة الأبرز.
ليس فقط لأن لندن أعلنت الحظر، بل لأنها قررت توسيع نطاقه ليطال شركات وأفراداً يقدمون خدمات البناء والبنية التحتية والتمويل والعقارات اللازمة لتوسع المستوطنات، وحظر الإعلان عن عقاراتها داخل بريطانيا، إضافة إلى رفض تراخيص صادرات تسهم مادياً في استمرار الاحتلال.
وقال وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند إن التشريع الجديد سيكتمل خلال ستة إلى تسعة أشهر، مع اتخاذ إجراءات أكثر فورية عبر العقوبات القائمة. والأكثر دلالة أنه حرص في الوقت نفسه على تأكيد أن الإجراءات تستهدف المستوطنات وتوسعها لا إسرائيل، وأن لندن ستواصل تجارتها مع إسرائيل داخل الخط الأخضر وتعاونها معها في المصالح الأمنية المشتركة، كما أعلن رفضه لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات «BDS».
وهذا التمييز هو جوهر السياسة الجديدة.
وأن تأتي خطوة كهذه من بريطانيا تحديداً يضيف إليها ثقلاً تاريخياً لا يمكن تجاهله. فهي الدولة التي ارتبط اسمها قبل أكثر من قرن بـوعد بلفور عام 1917، عندما أعلن وزير خارجيتها آرثر بلفور دعم إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وهي نفسها التي وصفت، في «خارطة طريق العلاقات البريطانية الإسرائيلية 2030»، إسرائيل بأنها «صديق راسخ وحليف طبيعي».
لذلك لا تحمل الخطوة البريطانية دلالتها من حجم تجارة المستوطنات وحده، وإنما من هوية الدولة التي تتخذها وعمق العلاقة التي تحاول داخلها رسم هذا الخط الجديد.
«E1» يدفع إلى تغيير الأدوات
لكن لماذا يتسارع التحرك الآن؟
الإجابة تظهر بوضوح في البيانات الغربية نفسها: «E1».
المشروع الواقع بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم ظل لسنوات واحداً من أكثر ملفات الاستيطان حساسية دولياً. وفي أغسطس، انتقل إلى مرحلة جديدة مع طرح مناقصات لأكثر من 1200 وحدة، ضمن مخطط أوسع يضم آلاف الوحدات.
الدول الغربية التي عارضت المشروع تقول إن موقعه سيضرب التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية ويزيد صعوبة قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. والبيان الصادر في 20 أغسطس اعتبر أن المشروع «يدق إسفيناً» عبر الضفة ويضر بالتواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية.
ولهذا أصبح «E1» أكثر من مشروع بناء.
بالنسبة إلى الدول التي لا تزال تعتبر حل الدولتين أساس أي تسوية، فإن الخشية ليست من عدد المنازل وحده، بل من تحول قرارات التخطيط والبناء إلى وقائع جغرافية تجعل الحل الذي تتمسك به دبلوماسياً أكثر صعوبة عملياً.
ومن هنا يمكن فهم انتقال النقاش من سؤال: كيف ندين الاستيطان؟ إلى سؤال مختلف: ما الأدوات التي يمكن استخدامها للتأثير فيه؟
الغرب ليس كتلة واحدة
لكن أهمية التحول لا ينبغي أن تقود إلى المبالغة في حجمه.
الخريطة الغربية تكشف ثلاث دوائر مختلفة.
الأولى تضم الدول التي انتقلت أو تتحرك نحو قيود اقتصادية مباشرة، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا وكندا، إلى جانب دول سبقتها أو تعمل على إجراءات مماثلة مثل إسبانيا والنرويج وهولندا.
والثانية أوسع بكثير: دول تتفق على خطورة «E1» وعلى أن الاستيطان يهدد حل الدولتين، لكنها لم تنتقل إلى الأدوات التجارية نفسها. ألمانيا وإيطاليا مثالان واضحان؛ فقد شاركتا في البيان الواسع ضد المشروع في أغسطس، لكنهما ليستا ضمن مجموعة الدول الـ12 التي أعلنت التحرك التجاري الثلاثاء.
أما الدائرة الثالثة فتتمثل في الولايات المتحدة، الحليف الأكثر تأثيراً في الحسابات الإسرائيلية، والتي لم تنضم إلى مسار حظر منتجات المستوطنات.
وهذا هو الحد الفاصل بين وجود تحول غربي وبين الحديث عن سياسة غربية موحدة.
الأولى أصبحت قابلة للرصد بوضوح. الثانية لم تتشكل.
إسرائيل تقرأ الرسالة سياسياً
رد إسرائيل على بريطانيا يعكس بدوره أن تل أبيب لم تتعامل مع القرار بوصفه خلافاً تجارياً صغيراً.
وزير الخارجية جدعون ساعر أعلن إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، ووقف مشاركة بريطانيا في مهمة التنسيق التي تقودها الولايات المتحدة بشأن غزة، وإنهاء برامج تدريب بريطانية لقوات الأمن الفلسطينية، إلى جانب إجراءات أخرى بحق مسؤولين بريطانيين.
ووصف ساعر التحرك البريطاني بأنه تدخل في شؤون إسرائيل وفي العملية الانتخابية قبيل انتخابات 27 أكتوبر.
حدة الرد تكشف شيئاً آخر: الوزن السياسي للقرار أكبر من أثره التجاري المباشر.
فالمسألة بالنسبة إلى إسرائيل لا تتعلق ببضائع محدودة القيمة بقدر ما تتعلق بإمكانية نشوء سابقة يصبح بموجبها التمييز بين إسرائيل والمستوطنات جزءاً من السياسات الاقتصادية لدول حليفة.
حدود جديدة داخل التحالف
لهذا قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية اليوم هو حجم الخسائر التي ستحدثها الإجراءات الجديدة، ولا ما إذا كانت ستوقف «E1» بصورة فورية.
السؤال الأهم هو ما إذا كانت الخطوات الحالية ستظل مجموعة قرارات وطنية متفرقة، أم أنها ستؤسس تدريجياً لقاعدة أوسع في التعامل الغربي مع الاستيطان.
فالخطوة التي تقودها بريطانيا وفرنسا وكندا لا تعلن فك الارتباط بإسرائيل، بل تؤكد بصورة متعمدة استمرار الالتزام بأمنها وبالعلاقة معها. وهي في الوقت ذاته تقول إن استمرار تلك العلاقة لا يعني بالضرورة أن يمتد غطاؤها الاقتصادي والسياسي إلى المستوطنات.
وهذه معادلة جديدة نسبياً في علاقة بعض هذه الدول بإسرائيل.
لكن أمام هذه المعادلة اختباراً أكثر صعوبة من إعلانها: هل تستطيع الإجراءات أن تتحرك بالسرعة نفسها التي تتغير بها الوقائع على الأرض؟
فحتى بريطانيا، صاحبة إحدى أكثر الخطوات الجديدة اتساعاً، تقول إن استكمال التشريع يحتاج بين ستة وتسعة أشهر، وإن كانت قد بدأت إجراءات أكثر فورية عبر الأدوات القائمة. وفي المقابل، لا ينتظر الاستيطان شهوراً. المناقصات والمخططات وقرارات البناء تتقدم بصورة متواصلة، والوحدات الاستيطانية لا تزداد من شهر إلى آخر فقط، بل تتراكم معها الوقائع على الأرض يوماً بعد يوم.
وهذه المفارقة لا تقلل من أهمية التحرك الغربي، الذي يمثل في حد ذاته انتقالاً لافتاً وغير متوقع من دول حليفة لإسرائيل. لكنها تحدد المعيار الذي سيُقاس به أثره في النهاية.
فإذا اتسعت دائرة الدول المشاركة، وتسارعت الإجراءات وتحولت من قرارات وطنية متفرقة إلى ضغط اقتصادي وسياسي أكثر ترابطاً، فقد يصبح للاستيطان ثمن مختلف في حسابات العلاقة مع الحلفاء الغربيين.
أما إذا ظل تنفيذ الأدوات الجديدة أبطأ من وتيرة التوسع على الأرض، فسيبقى السؤال قائماً حول قدرة السياسة على اللحاق بالجغرافيا.
وإذا كانت حماية حل الدولتين هي الهدف الذي تضعه هذه الدول في صلب تحركها، فإن الأشهر المقبلة ستختبر ليس فقط مدى جدية التحول الغربي، بل أيضاً ما إذا كان قد بدأ في الوقت الذي لا يزال فيه قادراً على التأثير في واقع يتغير كل يوم




