في وقت تدفع فيه الولايات المتحدة والوسطاء نحو تنفيذ ترتيبات ما بعد الحرب في غزة، تمضي الحكومة الإسرائيلية في مسارين يضعان الجهود الدولية أمام اختبار متزايد:
في القطاع، يرفض رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو السماح حتى الآن بدخول قوة الاستقرار الدولية ويتمسك بنزع سلاح «حماس» بالكامل قبل الانسحاب والإعمار، وفي الضفة الغربية تتقدم إجراءات استيطانية وإدارية وصفها خبراء بأنها ترسخ الضم الفعلي، أحدثها نقل مشروع «E1» إلى مرحلة المناقصات.
وبدا التباين في غزة أكثر وضوحاً الخميس، عندما أعلن مكتب نتانياهو أن إسرائيل لم توافق على دخول قوة دولية لتحقيق الاستقرار في القطاع، نافياً تقارير إسرائيلية تحدثت عن موافقة المجلس الوزاري الأمني على بدء جزء من القوة العمل في منطقة محدودة.
وقال المكتب إن إسرائيل أوضحت أنه «لن تكون هناك أي إعادة إعمار في القطاع قبل نزع سلاح حماس بالكامل». وجاء الموقف بعد يوم من كشف «رويترز»، الأربعاء، أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبلغت الكونغرس بتخصيص أكثر من 206 ملايين دولار لقوة الاستقرار الدولية.
في أول تمويل أمريكي كبير للمشروع. وتشمل الأموال 200 مليون دولار للمعدات والبنية التحتية والمركبات والتشغيل، ونحو 6.3 ملايين دولار لإعادة تخصيص تسع ناقلات جنود مدرعة لدعم القوة.
وقالت الخارجية الأمريكية الأربعاء إن القوة «عنصر أساسي» في خطة ترامب، وإنها ستدعم نزع السلاح وتأمين المساعدات وإعادة الإعمار. وتعهدت إندونيسيا والمغرب وقازاخستان وكوسوفو وألبانيا بإرسال عسكريين، بينما تعهدت مصر والأردن بتدريب الشرطة الفلسطينية.
عقدة التنفيذ
وتتمحور المواجهة حول ترتيب تنفيذ الخطة. فنتانياهو يرفض انسحاب القوات الإسرائيلية قبل نزع سلاح «حماس» بالكامل، كما ترفض إسرائيل صيغة تسمح بتخزين الأسلحة المسلّمة تحت إدارة فلسطينية، وتطالب بإخراجها بالكامل من القطاع. وفي المقابل، أعلنت «حماس» قبول خريطة الطريق التي تتضمن التخلي عن السلاح على مراحل مقابل الانسحاب الإسرائيلي.
وبعد اجتماعات أجراها جاريد كوشنر مع مسؤولين في «حماس» الأحد ثم مع القيادة الإسرائيلية الاثنين، غادر من دون تحقيق اختراق في الخلاف بشأن نزع السلاح والانسحاب. وقالت «رويترز» إن نتانياهو كان قد رفض هذا الشهر الخطة بصيغتها المطروحة وتمسك بالنزع الكامل للسلاح قبل الانسحاب.
ورفع الوسطاء الخميس الضغط على إسرائيل. وقال رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، خلال مؤتمر صحافي مع وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، إن القضية دخلت «مرحلة مفصلية» بعد قبول الفصائل الفلسطينية خطة السلام واستعدادها للمضي في ترتيبات جمع السلاح، مضيفاً أن «الكرة الآن أصبحت في ملعب الجانب الإسرائيلي».
وفي اليوم نفسه، أدانت مصر وقطر وتركيا في بيان مشترك الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على غزة، وقالت إن تصعيدها «يقوض الجهود الإقليمية والدولية في مرحلة حرجة»، وطالبت إسرائيل بتنفيذ التزاماتها بموجب وقف إطلاق النار، ودعت المجتمع الدولي و«مجلس السلام» إلى منع مزيد من التصعيد.
الضفة.. تغيير في الأرض
وفي الضفة، لا يقتصر التحرك الإسرائيلي على زيادة البناء الاستيطاني. ففي 18 أغسطس طرحت وزارة الإسكان مناقصة لبناء 1234 وحدة ضمن مشروع «E1»، الذي أقر في أغسطس 2025 ويشمل 3401 وحدة شرقي القدس. ويحذر معارضو المشروع من أنه يقسم الضفة ويفصل القدس الشرقية بصورة أكبر عن محيطها الفلسطيني.
وتأتي المناقصة بعد سلسلة تغييرات في إدارة الضفة. ففي 14 أغسطس، ذكرت «فايننشال تايمز» أن وزير الدفاع يسرائيل كاتس طلب إعداد خطة لنقل مسؤوليات إنفاذ القانون المتعلقة بالإسرائيليين في الضفة من الجيش إلى الشرطة، بعد إجراءات سابقة ألغت جانباً من الإشراف العسكري على صفقات الأراضي.
ونقلت تسجيل الأراضي إلى سيطرة مدنية إسرائيلية. ونقلت الصحيفة عن خبراء أن هذه التحولات تمثل خطوة إضافية باتجاه الضم لأنها توسع تطبيق مؤسسات الدولة المدنية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.
وقالت الصحيفة إن الحكومة الحالية أقرت 104 مستوطنات جديدة منذ توليها السلطة، في توسع غير مسبوق مقارنة بالسنوات السابقة.
الضغط يتجاوز الاستيطان
ودعت كل من فرنسا وإيطاليا وبريطانيا وألمانيا الخميس إسرائيل إلى "وقف التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية" المحتلة و"السحب الفوري" لمناقصات طُرحت هذا الأسبوع لبناء أكثر من 1200 وحدة سكنية في إطار مشروع "إي 1".
كما ردت بريطانيا الأربعاء باستدعاء القائم بالأعمال الإسرائيلي، قبل أن يطالب وزير الخارجية إد ميليبند الخميس بوقف «E1» وسحب المناقصة، ويعلن أن لندن ستكشف خلال الأسابيع المقبلة «مجموعة شاملة من التدابير» قد تشمل عقوبات مرتبطة بالتوسع الاستيطاني.
أما الضغط الأمريكي، فتركز أيضاً على عنف المستوطنين. وقال السفير الأمريكي مايك هاكابي لـ«رويترز»، الخميس، إن المستوطنين الذين يثبت تورطهم في محاولة الاستيلاء على ممتلكات فلسطينيين أمريكيين في بلدة قصرة قد يواجهون عقوبات، بينها منع دخول الولايات المتحدة.
ووصف ما حدث بأنه نشاط إجرامي «لا يغتفر ومقزز». وحتى الخميس لم تعلن الشرطة الإسرائيلية توقيف أو اتهام أي مستوطن في القضية، ولم يعلق نتانياهو عليها علناً.
وتضع التطورات في غزة والضفة مساري السياسة الإسرائيلية أمام الجهد الدولي نفسه: واشنطن تمول ترتيبات للانسحاب والاستقرار وإعادة الإعمار في القطاع، بينما يرفض نتانياهو بدءها بالشروط المطروحة؛ وفي الضفة تتقدم إجراءات استيطانية وإدارية تقول بريطانيا والأمم المتحدة وخبراء قانونيون إنها تقوض الأساس الجغرافي والمؤسسي لحل الدولتين.
