دم في الضفة.. وأرض جديدة للمستوطنين: كيف دخل الاستيطان إلى قلب الرد الإسرائيلي؟

لم يكن أبرز ما أعقب المواجهات الدامية في بلدة تل، جنوب غربي نابلس اليوم، إعلان الجيش الإسرائيلي إطلاق عملية عسكرية واسعة في شمال الضفة الغربية المحتلة، بقدر ما كان إدراج تسريع شرعنة البؤر الاستيطانية وإقامة بؤر جديدة داخل حزمة الرد نفسها.

فخلال ساعات من مقتل أربعة فلسطينيين وإسرائيليين اثنين، أمس، انتقلت إسرائيل من تطويق المنطقة والدفع بتعزيزات عسكرية إلى إعلان إجراءات تشمل توسيع العمليات في القرى الفلسطينية، وهدم منازل، وسحب تصاريح عمل، بالتوازي مع دفع مشروع استيطاني تعمل عليه الحكومة منذ أشهر.

وبينما اتسعت العملية العسكرية في محيط نابلس، امتدت هجمات المستوطنين إلى قرى فلسطينية أخرى، في مشهد جمع ثلاثة مسارات تتحرك منذ بداية العام: تصاعد عنف المستوطنين، وتوسيع الانتشار العسكري الإسرائيلي، وتسريع تحويل البؤر غير المرخصة إلى مستوطنات تحظى بالتمويل والاعتراف الحكوميين.

كيف بدأت المواجهة؟

وبدأت المواجهات بعدما دخلت مجموعة من الإسرائيليين المنطقة المحيطة ببلدة تل، الواقعة ضمن الجزء الخاضع للسيطرة الأمنية والمدنية الفلسطينية، والذي تحظر إسرائيل رسمياً على مواطنيها دخوله.

وقال الجيش الإسرائيلي، أمس، إنه تلقى بلاغاً عن تعرض إسرائيليين كانوا يتنزهون قرب البلدة لهجوم، وإن فلسطينياً انتزع بندقية من أحد أفراد فريق الحراسة في مستوطنة «حفات جلعاد» وأطلق النار، ما أدى إلى مقتل إسرائيليين وإصابة آخرين، قبل أن تقتله القوات الإسرائيلية.

لكن مسؤولين فلسطينيين قدموا لـ«رويترز» رواية مختلفة لبداية الأحداث. وقال القيادي المحلي في حركة فتح عصام صيفي إن ما بين 25 و30 مستوطناً هاجموا الجهة الشرقية من تل وحاولوا اقتحام منزلين، وإن السكان خرجوا للتصدي لهم، قبل أن تعود المجموعة إلى جهة أخرى من البلدة وتتسع المواجهات مع وصول القوات الإسرائيلية.

وأكدت التغطية الإسرائيلية بدورها أن دخول المجموعة لم يكن منسقاً مع الجيش. وذكرت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، استناداً إلى رواية الجيش ومقاطع مصورة من المكان، أن المجموعة ضمت عشرات الإسرائيليين، بينهم مسلحون وقاصرون، وأنها دخلت أطراف البلدة رغم الحظر المفروض على دخول الإسرائيليين المنطقة من دون تنسيق عسكري.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل أربعة فلسطينيين وإصابة أربعة آخرين، بينما أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل الضابط يوفال عزرا والجندي في الاحتياط بناياهو ميليت، الذي كان عضواً أيضاً في فريق الحراسة في «حفات جلعاد».

عملية عسكرية واسعة

وبعد المواجهات، فرض الجيش طوقاً على نابلس وتل، وأقام حواجز إضافية وألغى إجازات الجنود، معلناً الاستعداد لتنفيذ عملية واسعة قال إنها تستهدف ما وصفه بالبنية المسلحة في المنطقة.

ونقلت «رويترز» عن قائد المنطقة الوسطى في الجيش، آفي بلوث، قوله إن القيادة العسكرية تخشى امتداد التصعيد إلى أنحاء أخرى من الضفة، وإن الجيش سيعزز وجوده لمنع اتساع المواجهات. وأفادت «تايمز أوف إسرائيل» بأن الجيش دفع بخمس سرايا إضافية إلى الضفة الغربية المحتلة، بعد أسبوعين من إضافة كتيبتين بصورة دائمة إلى القوات المنتشرة فيها.

كما اقتحمت القوات الإسرائيلية مستشفى نابلس التخصصي واعتقلت فلسطينيين مصابين. وقال الجيش وجهاز الأمن الداخلي «الشاباك» إنهما اعتقلا شخصين شاركا في إطلاق النار، فيما نقلت «رويترز» عن مسؤولين فلسطينيين أن الجنود داهموا قسم الطوارئ واعتدوا على أفراد من الطواقم الطبية.

بؤر استيطانية جديدة

غير أن الرد الذي أعلنه رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس لم يتوقف عند ملاحقة المشاركين في المواجهات أو تعزيز القوات.

فقد أعلن مكتبا نتانياهو وكاتس، بعد اجتماع أمني عقد اليوم، أن الإجراءات تشمل توسيع العمليات في قرى فلسطينية، وجمع الأسلحة، وهدم منزل منفذ إطلاق النار، وسحب تصاريح العمل المتبقية من سكان القرى المستهدفة، إلى جانب تسريع شرعنة البؤر الزراعية وإقامة بؤر استيطانية جديدة.

وبذلك، لم تعد الإجراءات الاستيطانية مجرد خلفية سياسية للعملية العسكرية، بل أصبحت جزءاً معلناً من الحزمة التي قدمتها الحكومة بوصفها رداً على أحداث تل.

لكن هذه الإجراءات لم تبدأ اليوم الجمعة. ففي 14 يوليو، أي قبل المواجهات بعشرة أيام، وافق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي على تخصيص 1.3 مليار شيكل، نحو 434 مليون دولار، لإنشاء وتطوير 34 مستوطنة جديدة في الضفة، وفق ما أعلنه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ونقلته «رويترز». وقال سموتريتش آنذاك إن القرارات ترفع عدد المستوطنات التي أُنشئت خلال ولايته إلى 103، فيما خصصت الحكومة 1.075 مليار شيكل إضافية لشق الطرق والبنية التحتية التي تخدم المشروع الاستيطاني.

شرعنة 140 بؤرة

وسبق ذلك إعلان يسرائيل كاتس، في فبراير الماضي، أن الحكومة تعمل بدعم من نتانياهو وسموتريتش على شرعنة نحو 140 بؤرة زراعية غير مرخصة، وفق صحيفة «تايمز أوف إسرائيل».

كما نشرت الصحيفة الإسرائيلية، في 19 يوليو، تفاصيل وثيقة لوزارة الاستيطان أظهرت وجود أكثر من مئتي بؤرة زراعية غير مرخصة في الضفة، بينها 130 أُقيمت منذ تولي الحكومة الحالية السلطة في ديسمبر 2022، مع تقديم مساعدات للمجالس الاستيطانية التي تشرف عليها.

ومنح مسؤولون في الحكومة الإسرائيلية هذه البؤر دوراً يتجاوز النشاط الزراعي. فقد قال قائد المنطقة الوسطى آفي بلوث، خلال مؤتمر للمزارع الاستيطانية في 15 يوليو، إن هذه المواقع تعزز السيطرة الأمنية الإسرائيلية على الأرض.

لكن هذا التوسع يثير أيضاً خلافاً داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. إذ نقلت «تايمز أوف إسرائيل»، أمس، عن مسؤول عسكري لم تسمه أن عشرات البؤر غير القانونية والمزارع الاستيطانية أصبحت من أكبر التحديات التي تواجه الجيش، بسبب الموارد والقوات المطلوبة لحمايتها وضبط الاحتكاكات المحيطة بها.

وكان ضباط في الجيش قد أبلغوا نتانياهو، بحسب تقرير بثته هيئة البث الإسرائيلية «كان» في مايو الماضي ونقلته «تايمز أوف إسرائيل»، بأن التعامل مع اعتداءات المستوطنين يستنزف الموارد المخصصة لملاحقة المسلحين الفلسطينيين، ويؤثر في قدرة القوات على تنفيذ مهامها الأخرى.

اعتداءات المستوطنين تتوسع

وبرز هذا التداخل مساء اليوم الجمعة، عندما امتدت هجمات المستوطنين من محيط تل إلى عدة قرى فلسطينية.

وأعلن الهلال الأحمر الفلسطيني إصابة فلسطينيين خلال هجوم على قرية فرعتا قرب قلقيلية، بينهم مصابون بالرصاص، فيما أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» بأن مستوطنين أحرقوا منازل ومركبات وممتلكات في القرية.

كما قالت «وفا» إن مستوطنين هاجموا قرية صرة جنوب غربي نابلس، وأضرموا النار في ستة منازل بصورة كلية أو جزئية، بينما نقلت «تايمز أوف إسرائيل» عن مسؤول عسكري تحذيره من دعوات انتقامية لاقتحام القرى الفلسطينية بعد مقتل الإسرائيليين في تل.

وجاءت التطورات بعد يوم واحد من دخول آلاف الإسرائيليين باحات المسجد الأقصى، أول من أمس، بمشاركة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وتحت حماية الشرطة الإسرائيلية، وفق دائرة الأوقاف الإسلامية وتغطيات إعلامية إسرائيلية ودولية.

وتندرج أحداث اليوم الجمعة ضمن ارتفاع مستمر في اعتداءات المستوطنين. ونقلت «رويترز» عن بيانات للأمم المتحدة أن نحو 850 فلسطينياً أصيبوا في سياق هذه الهجمات منذ بداية عام 2026، بينما قالت وزارة الصحة الفلسطينية إن 87 فلسطينياً قُتلوا في الضفة خلال الفترة نفسها، بينهم 21 برصاص مستوطنين.

كما أظهرت تحقيقات وتقارير نشرتها «رويترز» خلال يوليو أن نشاط المستوطنين لم يعد يقتصر على الاعتداءات الموسمية على الأراضي الزراعية، بل امتد إلى الاستيلاء على منازل قيد الإنشاء والاقتراب من المناطق السكنية في قرى فلسطينية، بالتوازي مع ارتفاع هجماتهم بنسبة 130 في المئة منذ عام 2023، استناداً إلى بيانات الأمم المتحدة.

وعليه، لم تنشئ مواجهات تل سياسة استيطانية جديدة، لكنها وفرت لحظة دفعت فيها الحكومة بمسار قائم منذ أشهر إلى داخل الرد الأمني المباشر: الجيش يوسع عملياته وانتشاره، والحكومة تسرّع الاعتراف بالبؤر وإقامة مستوطنات جديدة، فيما تواصل مجموعات المستوطنين التحرك ميدانياً في محيط القرى الفلسطينية.

وبينما تقدم الحكومة الإسرائيلية البؤر الزراعية باعتبارها أداة لتعزيز السيطرة والأمن، تظهر تحذيرات داخل الجيش من أن توسعها وحمايتها يزيدان الضغط على القوات ويفتحان مزيداً من نقاط الاحتكاك؛ وهو ما جعل أحداث تل تتجاوز حدود المواجهة المحلية، لتكشف كيف بات المساران العسكري والاستيطاني يتحركان معاً في إعادة تشكيل المشهد الميداني في الضفة الغربية.