مؤتمر «فتح» الثامن.. الانتخابات الداخلية وأسئلة اليوم التالي

في توقيت استثنائي بكل المقاييس، انطلقت أعمال المؤتمر الثامن لحركة فتح في رام الله ومصر وقطاع غزة، وسط ضفة غربية تئن تحت وطأة التصعيد الإسرائيلي، وقطاع غزة يعيش كارثة إنسانية غير مسبوقة. وكان السؤال الأبرز الذي رافق هذا الحدث، هل تستطيع انتخابات داخلية في حركة سياسية أن تُسهم فعلاً في خدمة القضية الفلسطينية، وأن يكون لها انعكاس حقيقي على واقع غزة ومستقبله؟

الإجابة تستدعي التمييز بين مستويين، ما يُفترض أن يكون، وما يجري على أرض الواقع.نظرياً، مؤتمر فتح الثامن ليس حدثاً عادياً. وقد عبّر عن هذه الأهمية أمين سر اللجنة المركزية للحركة جبريل الرجوب بوضوح حين وصفه بأنه «الأهم في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية»، مشيراً إلى أنه ينعقد في ظل «أخطر التحديات» التي تواجه المسيرة النضالية.

وأعرب الرجوب عن أمله في أن يُفضي المؤتمر إلى «تكريس وحماية إقامة الدولة الفلسطينية على جدول أعمال العالم، وحماية منظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.وفي السياق ذاته، أكد الرجوب أن المؤتمر يشكل بداية لإعادة ترتيب «البيت الفلسطيني»، عبر بناء شراكة مع المجتمع الدولي لإقامة الدولة، مع استبعاد أي تعاون مع حكومة بنيامين نتانياهو التي ترفض حل الدولتين.

إصلاحات

وهذا الطرح منسجم مع ما أعلنه الرئيس محمود عباس في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، حين جدد التزام السلطة بالإصلاحات وأعلن استعداده لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية «بعد إنجاز الدستور وقانون الأحزاب».فجوة واسعةغير أن الصورة الميدانية تكشف عن فجوة واسعة بين الخطاب الرسمي والواقع. ويُلخص مدير مركز «مسارات» للأبحاث هاني المصري هذه الفجوة بقوله إن فتح «لم تعد تقود السلطة ومنظمة التحرير، بل تستخدمهما لتوفير الشرعية لها، وهي شرعية متآكلة في ظل غياب المشروع الوطني الموحّد والانتخابات والتوافق الوطني».

ويذهب المصري إلى أبعد من ذلك حين يشير إلى أن «من يحظى بالعضوية ومن يفوز باللجنة المركزية والمجلس الثوري مسائل تطغى على المؤتمر، فيما البرنامج والمشروع الوطني هو الغائب الأكبر عن الحوارات».وهي أزمة لا تخص «فتح» وحدها، بل تمتد إلى مجمل النظام السياسي الفلسطيني الذي يواجه اليوم اختباراً غير مسبوق منذ الانقسام عام 2007.

وتجد هذه القراءة ما يُعززها في الغيابات اللافتة عن المؤتمر. فعضو اللجنة المركزية ناصر القدوة، ابن شقيقة ياسر عرفات وأحد أبرز القياديين الفلسطينيين، لم يحضر، معلناً صراحة أن «هذا المؤتمر غير شرعي وهذه القيادة التي تغتصب السلطة غير شرعية وانتهت». كما لم يشارك التيار الإصلاحي في الحركة، رغم الحديث عن مشاركة بعض من أنصاره بصفات فردية.ومن أكثر القضايا إثارة للجدل في هذا المؤتمر، الحديث عن ترشح ياسر عباس، نجل الرئيس، لعضوية اللجنة المركزية.

وقد رأى هاني المصري أن هذا التوجه «يشير إلى التوريث»، واصفاً الأمر بأنه «بالغ الخطورة على فتح والسلطة والقضية الفلسطينية». في المقابل، دافع جبريل الرجوب عن حق ياسر عباس في الترشح، قائلاً إن كونه «ابن الرئيس ليس مصدر قوة للتأثير على أعضاء المؤتمر»، ومؤكداً أن الحركة «ليست نظاماً عائلياً أو ملكياً». 

 سجالات

وتبقى هذه السجالات مؤشراً على أن المؤتمر يُعقد وسط أزمة ثقة داخلية، لا يعالجها تبادل الاتهامات، بل تحتاج إلى مراجعة جذرية وشجاعة لم تتضح ملامحها بعد.الاختبار الحقيقيوبشأن قطاع غزة تحديداً، لم يعد مؤتمر «فتح» شأناً تنظيمياً داخلياً فحسب، بل بات جزءاً من النقاش الدولي حول «اليوم التالي» للحرب.

إذ قال نيكولاي ملادينوف منسق «مجلس السلام» الذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمنخرط في مشاورات وقف إطلاق النار، إن الجمود الحالي يرتبط بشكل أساسي بملف نزع سلاح «حماس»، معتبراً أن ملفات إعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي وتشكيل حكومة فلسطينية جديدة باتت جميعها معلّقة على هذه العقدة.

والأهم أنه لم يُغلق الباب سياسياً أمام الحركة، حين أشار إلى إمكانية أن تكون «حماس» طرفاً سياسياً إذا تخلّت عن العمل المسلح وخاضت انتخابات وطنية.

استحقاق تنظيمي 

وفي هذا السياق، يصبح مؤتمر «فتح» أكثر من مجرد استحقاق تنظيمي، إذ تتحول نتائجه إلى اختبار مباشر لقدرة الحركة على تقديم نفسها شريكاً فلسطينياً يمتلك الشرعية والقدرة على إدارة المرحلة المقبلة، سواء أمام الفلسطينيين أنفسهم أو أمام الأطراف الدولية المنخرطة في ترتيبات ما بعد الحرب.وفي هذا الإطار يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل تُنتج انتخابات «فتح» الداخلية قيادة قادرة على أداء الدور؟ أم ستكتفي بإعادة توزيع المناصب دون أن تنتج رؤية قابلة للتنفيذ؟فرصة مشروطةتناولنا في عام 2021،

ملف الانتخابات الفلسطينية وتشعباتها في تحليل صحافي، كان السؤال المحوري هو ذاته فيه: هل تمتلك «فتح» الإرادة لإيلاء المشروع الوطني الأولوية على حسابات الصراع الداخلي؟

الأكاديمي الفلسطيني إبراهيم براش أجاب عن سؤال يحمل نفس المعنى بقوله إن فتح «ما زالت رهان غالبية الشعب الفلسطيني»، وهذا يعني أن الفرصة قائمة. لكنها مشروطة: فالانتخابات الداخلية لا تخدم القضية بمجرد انعقادها، بل حين تُنتج قيادة تحمل هم الناس في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة قبل أن تحمل هم مقاعدها، وتقدم برنامجاً وطنياً جامعاً لا خطاباً احتفالياً... فالقضية الفلسطينية اليوم لا تحتاج إلى مؤتمرات تُحيي الماضي بل قيادة تصنع المستقبل.