غرب أفريقيا.. مساحة ساخنة بين الإرهاب والتنافس الدولي

تعدد الجبهات الداخلية في نيجيريا إلى جانب الانقسامات العرقية والدينية يحدّ من قدرة الدولة على فرض سيطرتها الكاملة
تعدد الجبهات الداخلية في نيجيريا إلى جانب الانقسامات العرقية والدينية يحدّ من قدرة الدولة على فرض سيطرتها الكاملة

يرغب عدد لا يستهان به من مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أن تتخلى الولايات المتحدة عن التزاماتها الخارجية الواسعة، وأن تصبح، بدلاً من ذلك، قوة إقليمية، تركز على نصف الكرة الغربي.

وتُعدّ الضربة التي شنّها ترامب ضد أهداف لتنظيم داعش في نيجيريا تذكيراً بأن أمريكا قادرة على أكثر من ذلك بكثير، وفقاً لصحيفة «واشنطن بوست» التي نقلت عن ترامب ما كتبه على وسائل التواصل الاجتماعي بعد استهداف التنظيم في ولاية سوكوتو «عيد ميلاد مجيد للجميع، بمن فيهم الإرهابيون القتلى.

والذين سيزداد عددهم إذا استمرّت مذابحهم». الصحيفة اعتبرت هذه الضربة «تغييراً مرحباً به في منطقة من العالم لطالما كانت هامشية بالنسبة لترامب»، لكنها تساءلت:

هل هذا قرار عابر أم بداية لسياسة أكثر اتساقاً وتماسكاً؟ وربطت الرغبة في الانسحاب من المنطقة بأكملها بتنسيق القوات الأمريكية والفرنسية مع حكومتي النيجر ومالي، لكنها أُجبرت على الانسحاب مع تولي قادة جدد السلطة عقب انقلابات.

لكن هذا المشهد جزء من صورة أوسع، حيث تشهد منطقة غرب أفريقيا تحوّلاً بنيوياً في طبيعة التهديدات الأمنية، تجاوز منذ سنوات الطابع المحلي، ليتحوّل إلى منحنى تراكمي يعيد تشكيل خرائط النفوذ الإقليمي والدولي. ولا يمكن فصل الضربات الأمريكية الأخيرة ضد «داعش» في نيجيريا عن هذا السياق الأشمل.

وتبرز نيجيريا بوصفها نقطة ارتكاز في معادلة الاستقرار الإقليمي. فبحسب معهد الدراسات الأمنية في بريتوريا، فإن تعدد الجبهات الداخلية، إلى جانب الانقسامات العرقية والدينية، يحدّ من قدرة الدولة على فرض سيطرتها الكاملة، ويجعلها عرضة لتمدد الجماعات المسلحة نحو عمقها الجغرافي والاجتماعي.

وتشير معطيات الأمم المتحدة خلال 2024 و2025 إلى أن منطقة الساحل باتت تسجّل النسبة الأعلى عالمياً من ضحايا الإرهاب، متقدمة على الشرق الأوسط وجنوبي آسيا.

وترافق هذا التصاعد مع تحوّل نوعي في سلوك الجماعات المسلحة، التي لم تعد تكتفي بتنفيذ هجمات متفرقة، بل انتقلت إلى نماذج تقوم على بسط السيطرة المحلية وبناء هياكل نفوذ بديلة.

وتوضح تقارير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي أن المجموعات الإرهابية تعتمد نمطاً وظيفياً يقوم على إدارة الموارد وفرض الإتاوات والسيطرة على طرق التجارة، ما يمنحهما قدرة على الاستمرار خارج منطق المواجهة العسكرية المباشرة، ما يجعل احتواء الظاهرة عبر أدوات أمنية تقليدية، أمراً صعباً.

كما تفيد تقارير الأمم المتحدة بأن هذه الجماعات لم تعد تعتمد على الدعم الخارجي فقط، بل طورت اقتصاداً موازياً يقوم على التهريب وفرض الإتاوات والتحكم بالمسارات التجارية، ما يمنحها قدرة ذاتية على الاستمرار والمناورة. هذا الواقع يجعل من المواجهة الأمنية التقليدية خياراً محدود الفاعلية.

في المقابل، تشير تحليلات صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن التوجه الأمريكي نحو تقليص الانخراط في أفريقيا يعكس تراجعاً استراتيجياً أكثر منه إعادة تموضع محسوبة. ويُنظر إلى هذا التراجع أنه يفتح المجال أمام قوى دولية أخرى لتوسيع نفوذها، مثل روسيا والصين، في ظل هشاشة البنى السياسية والاقتصادية في عدد من دول القارة.

استشرافياً، تشير المعطيات المتوافرة إلى أن المنطقة تقف أمام مسارات مفتوحة، أبرزها استمرار التمدد المسلّح في ظل غياب حلول سياسية شاملة، أو نشوء ترتيبات أمنية دولية أكثر انخراطاً، أو محاولات إقليمية محدودة لاستعادة زمام المبادرة.

هذا يعني أن ما يجري في غرب أفريقيا لم يعد شأناً محلياً أو أزمة عابرة، بل بات أحد مؤشرات التحول في بنية النظام الدولي ذاته، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التنافس بين الكبار، لتفضي إلى بؤر قابلة للانفجار، تتجاوز حدودها الجغرافية.