فتحت النتائج الجزئية للانتخابات الإسرائيلية التي جرت الثلاثاء الباب أمام مرحلة من المفاوضات السياسية المعقدة، بعدما أظهرت تصدّر حزب «الليكود» بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مقابل عجز معسكره عن تأمين الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة. وفي المقابل، يجد منافسه، رئيس حزب «يشار» غادي آيزنكوت، نفسه أمام معادلة معكوسة؛ حيث أغلبية حسابية مناهضة لنتنياهو، تفتقر إلى توافق سياسي يجمع أطرافها على برنامج حكومي واحد.
وبحسب النتائج التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية بعد فرز 85.6% من الأصوات، حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً للمعسكر الذي يقوده آيزنكوت، فيما حصدت الأحزاب العربية 19 مقعداً، في أعلى تمثيل تحققه في تاريخها. وعلى مستوى الأحزاب، حافظ «الليكود» على الصدارة بـ26 مقعداً، يليه «يشار» بـ21 مقعداً، ثم «القائمة المشتركة» وحزب «معاً» بزعامة رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت بـ12 مقعداً لكل منهما.
ويحتاج أي ائتلاف إلى 61 مقعداً على الأقل في الكنيست المؤلف من 120 عضواً. ولا تزال الأرقام قابلة للتغيير مع استكمال الفرز، ولا سيما أصوات الجنود والمقترعين بالمغلفات المزدوجة، وقد شهدت تذبذباً ملحوظاً خلال ليلة الفرز، إذ تراوحت مقاعد الأحزاب العربية بين 17 و19 مقعداً، ومقاعد معسكر نتنياهو بين 53 و55.
وتعكس النتائج مفارقة سياسية لافتة، فالحزب المتصدر قد يعجز عن تشكيل الحكومة، بينما تستطيع أحزاب حصلت مجتمعة على 67 مقعداً إقصاءه عن السلطة، إن نجحت في تجاوز خلافاتها السياسية والأيديولوجية. وبذلك تنتقل المنافسة من صناديق الاقتراع إلى اختبار قدرة الزعماء على بناء التحالفات، في نظام لا يمنح الحزب الأكبر حق تشكيل الحكومة تلقائياً. وفي هذا السياق، دعا الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الأحزاب إلى خوض مفاوضات الائتلاف «بعقل منفتح».
وأمام هذه المعادلة المعقدة، تتعدد المسارات التي قد تسلكها مفاوضات تشكيل الحكومة خلال الأسابيع المقبلة، بين تكليف يمنح نتنياهو فرصة جديدة للبقاء في السلطة، وتحالف يحاول من خلاله آيزنكوت تحويل الأغلبية الحسابية المناهضة لخصمه إلى أغلبية حاكمة، وصيغ وسطى تبحث عن مخرج من الانقسام، سواء عبر حكومة وحدة تجمع المعسكرين، أو حكومة أقلية تستند إلى دعم من خارجها. وتبقى العودة إلى صناديق الاقتراع خياراً أخيراً، إذا عجزت هذه المسارات جميعاً عن انتزاع ثقة الكنيست. وفيما يلي قراءة في أبرز هذه السيناريوهات، وفرص كل منها، والعقبات التي تعترضه:
تكليف نتنياهو
يتمثل السيناريو الأول في أن يكلّف هرتسوغ نتنياهو بتشكيل الحكومة، استناداً إلى تصدّر «الليكود» وتماسك التحالف الذي يضم الأحزاب اليمينية والدينية. غير أن التكليف، إن حدث، لن يضمن احتفاظ نتنياهو بالسلطة، فمعسكره يقل بثمانية مقاعد عن الأغلبية المطلوبة، ما يفرض عليه البحث عن شركاء من خارج ائتلافه التقليدي، أو استقطاب نواب من المعارضة عبر اتفاقات جديدة أو انشقاقات برلمانية.
ويبرز هنا حزب «معاً»، المحسوب على معسكر آيزنكوت. فمن الناحية الحسابية، ينهي انضمامه إلى نتنياهو أزمة الأغلبية، إذ يرفع معسكره إلى 65 مقعداً، ويُسقط معسكر آيزنكوت إلى 36. لكن هذا الاحتمال يصطدم بالخلافات العميقة التي دفعت بينيت إلى الاصطفاف ضمن القوى الساعية إلى إنهاء حكم نتنياهو. وقد يحاول الأخير تقديم تنازلات في توزيع الحقائب الوزارية أو في السياسات الداخلية والأمنية، غير أن نجاح هذه المحاولة يتطلب تحولاً في المواقف المعلنة لخصومه.
قيادة آيزنكوت
يقوم السيناريو الثاني على نجاح آيزنكوت في جمع القوى المعارضة لنتنياهو ضمن تفاهم يسمح له بتشكيل الحكومة، مستفيداً من أن مجموع مقاعد معسكره والأحزاب العربية يتجاوز الأغلبية البرلمانية بستة مقاعد. فمعسكره يحتاج إلى 13 مقعداً إضافياً على الأقل للوصول إلى 61، وهو عدد يمكن تأمينه من الأحزاب العربية.
وتكمن العقبة الرئيسية في تباين مواقف أحزاب المعارضة الإسرائيلية، التي تضم تيارات يمينية ووسطية ويسارية، تختلف في رؤيتها للتعاون مع الأحزاب العربية، وفي مواقفها من قضايا الأمن والصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وكان آيزنكوت قد ترك الباب موارباً أمام هذا التعاون بشروط، من بينها اعتراف تلك الأحزاب بإسرائيل «دولة يهودية»، فيما استبعده بعض حلفائه المحتملين. وفي المقابل، دعا زعيم حزب «الديمقراطيين» يائير غولان أحزاب المعسكر إلى التحالف مع الأحزاب العربية وتشكيل الحكومة. وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن معسكر آيزنكوت يدرس السعي إلى استبدال رئيس الكنيست أمير أوحانا بدعم من الأحزاب العربية، في خطوة قد تكون أول اختبار عملي لهذا التقارب.
وحدة وطنية
يتمثل السيناريو الثالث في تشكيل حكومة وحدة تجمع قوى من المعسكرين، لتجاوز الانقسام البرلماني وإقامة ائتلاف مستقر دون الاعتماد على الأحزاب العربية. وقد يشمل ذلك اتفاقاً بين «الليكود» وأحزاب من الوسط واليمين المعارض، أو صيغة أوسع تتضمن توزيع المناصب الرئيسية، وبرنامجاً حكومياً محدداً، وربما التناوب على رئاسة الوزراء.
وتستند هذه الفرضية إلى قواسم مشتركة بين عدد من الأحزاب في السياسات الأمنية والعسكرية. لكن عقبتها الأساسية تتعلق بهوية رئيس الحكومة، فالخلاف بين نتنياهو وخصومه لا يقتصر على الحقائب والبرامج، ويطال استمرار نتنياهو نفسه في المنصب.
حكومة أقلية
يبرز احتمال رابع يتمثل في تشكيل حكومة أقلية برئاسة آيزنكوت أو شخصية أخرى، تضم أحزاباً لا يبلغ مجموع مقاعدها 61، لكنها تنال ثقة الكنيست بفضل دعم قوى أخرى من خارجها أو امتناعها عن التصويت. إذ يكفي لنيل الثقة أن تحصل الحكومة على أغلبية الأصوات المشاركة في الاقتراع، لا على أغلبية مطلقة.
وفي الحالة الراهنة، قد تتيح ترتيبات بين معسكر آيزنكوت والأحزاب العربية تشكيل حكومة لا تشارك فيها هذه الأحزاب مباشرة، وتعتمد على دعمها أو امتناعها في اللحظات الحاسمة. غير أن حكومة كهذه ستواجه صعوبة في تمرير الموازنة والتشريعات الأساسية، في ظل معارضة قوية يقودها نتنياهو وحلفاؤه، وستمنح الأحزاب الداعمة من الخارج نفوذاً في قراراتها دون أن تتحمل المسؤولية الحكومية المباشرة.
الخيار الأخير
يبقى احتمال إجراء انتخابات جديدة قائماً إذا فشلت جميع محاولات تشكيل الحكومة. وبموجب القانون الإسرائيلي، يجري الرئيس مشاورات مع الكتل البرلمانية بعد إعلان النتائج الرسمية، ثم يكلّف أحد أعضاء الكنيست بتشكيل الحكومة خلال سبعة أيام من نشرها. ويُمنح المكلَّف 28 يوماً قابلة للتمديد بما لا يتجاوز 14 يوماً، فإن فشل، يستطيع الرئيس تكليف عضو آخر لمدة 28 يوماً غير قابلة للتمديد. وفي مرحلة لاحقة، يتيح القانون لأغلبية من 61 نائباً المطالبة بتكليف عضو محدد خلال مهلة 21 يوماً، قبل حل الكنيست والدعوة إلى انتخابات جديدة إذا استُنفدت الخيارات القانونية.
اختبار نفوذ
تبرز نتيجة الأحزاب العربية بوصفها أحد أبرز تحولات هذه الانتخابات، بعدما ارتفع تمثيلها إلى 19 مقعداً، مقارنة بعشرة مقاعد في الكنيست المنتهية ولايته، متجاوزة توقعات الاستطلاعات الأخيرة التي منحتها بين 12 و15 مقعداً. ويمنحها هذا الحضور قدرة حسابية على التأثير في تشكيل الحكومة، لكنه يضعها أمام خيارات معقدة، تتعلق بإمكان دعم حكومة يقودها آيزنكوت، والشروط التي يمكن التفاوض عليها، وحدود التعاون مع أحزاب تختلف معها في القضايا الفلسطينية والوطنية. ولأن هذه الأحزاب تتوزع بين «القائمة المشتركة» و«القائمة العربية الموحدة» بقيادة منصور عباس، فإن موقفها يحتاج إلى تفاهمات بين قياداتها، لا إلى مجرد جمع حسابي لمقاعدها.
وفي المقابل، فإن استمرار رفض بعض الأحزاب اليهودية المعارضة التعاون مع القوى العربية قد يحول دون ترجمة الأغلبية المناهضة لنتنياهو إلى حكومة، ويمنح رئيس الوزراء الحالي مساحة لمواصلة إدارة الحكومة الانتقالية خلال المفاوضات.
ما وراء الحدود
لا تقتصر أهمية هذه الحسابات على الداخل الإسرائيلي، فقد خاض نتنياهو الانتخابات مستنداً إلى تأييد علني من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خطوة غير مسبوقة، وروّج لصداقته معه عشية الاقتراع. وترى تقديرات أمريكية أن هوية الحكومة المقبلة قد تؤثر في الخطوات التالية لواشنطن في الشرق الأوسط، بما في ذلك مسار الحرب مع إيران.




