قبل 22 يوماً من توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع، دخلت سيناء بهذه الصراحة إلى خطاب الحملة الانتخابية، بعدما قال وزير المالية وزعيم حزب «الصهيونية الدينية» بتسلئيل سموتريتش إنه إذا هاجمت مصر إسرائيل «فلن تكون هناك سيناء».
وجاء التصريح في مقابلة مصورة نُشرت في الاثنين، تنقل فيها سموتريتش بين غزة وجنوب لبنان ومصر، طارحاً تصوراً للردع يقوم على أن من يهاجم إسرائيل يجب أن يدفع ثمناً يتجاوز نتائج المواجهة العسكرية المباشرة.
وعندما سئل عما يمنع مصر من مهاجمة إسرائيل، قال إن ذلك يتمثل في «الإدراك بأنهم إذا هاجموا فلن تكون هناك سيناء». ولم يطرح سموتريتش حرباً وشيكة مع مصر، كما لم يصدر حديثه في إطار سياسة حكومية معلنة تجاه دولة ترتبط بإسرائيل بمعاهدة سلام منذ 1979، وإنما جاء على لسان زعيم حزب ووزير يميني متشدد يخوض معركة انتخابية.
لكن أهمية التصريح تظهر عند وضعه إلى جانب مواقف إسرائيلية أخرى صدرت خلال الأسابيع الأخيرة بشأن غزة ولبنان وسوريا، وتحولت معها الجغرافيا المحيطة بإسرائيل إلى جزء من النقاش حول شكل الأمن بعد سنوات الحرب.
ففي المقابلة نفسها، قال سموتريتش إن إسرائيل تسيطر على ما بين 60 و70 في المئة من قطاع غزة، وربط حجم الدمار هناك بتشجيع السكان على الهجرة. وعن لبنان، قال إن العمليات الإسرائيلية في الجنوب ستؤثر في أمن سكان شمال إسرائيل لعقود.
وفي 27 سبتمبر الماضي، نقل موقع «تايمز أوف إسرائيل»، استناداً إلى مقابلة مع بودكاست «Ynet»، دعوة سموتريتش إلى ضم الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي في غزة والوصول بالضم في لبنان إلى نهر الليطاني، متسائلاً: إذا انتهت الحرب عند الحدود التي بدأت منها، «فما الذي سيمنع العدو من الذهاب إلى الحرب مرة أخرى؟». وفي المقابلة نفسها دعا إلى نقل نموذج الحرب في غزة إلى الضفة الغربية.
إلا أن دخول الجغرافيا إلى الانتخابات لا يقتصر على سموتريتش.
ففي 9 سبتمبر، زار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو جبل الشيخ على الحدود السورية، وقال، وفق «جيروزاليم بوست»، إن إسرائيل تسيطر على المنطقة الممتدة «من قمة جبل الشيخ إلى اليرموك»، وإنها لن تسمح لأي قوة معادية بالتمركز على حدودها. وفي الزيارة نفسها قال وزير الدفاع يسرائيل كاتس إن إسرائيل باقية «في المنطقة الأمنية» لمنع التهديدات من داخل سوريا.
وبعد ذلك بأيام، انتقلت حصيلة الحروب إلى قلب حملة نتنياهو الانتخابية. ففي 17 سبتمبر، وخلال إطلاق قائمة الليكود، عدد نتنياهو المواجهات مع إيران و«حزب الله» و«حماس»، وقال إن على إسرائيل «إكمال المهمة حتى النهاية». وفي 29 سبتمبر، وصفت «رويترز» حملته بأنها عودة إلى أسلوبه التقليدي في تقديم نفسه للناخب باعتباره القائد القادر على حماية إسرائيل.
وفي لبنان، أصبحت فكرة «المنطقة الأمنية» موقفاً معلناً. ففي 4 سبتمبر، نقل «تايمز أوف إسرائيل» عن كاتس قوله إن إسرائيل لن تنسحب من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان قبل نزع سلاح «حزب الله» وإزالة التهديد عن بلدات الشمال.
واللافت أن الحديث عن عمق أمني وراء الحدود لا يقتصر على الحكومة الحالية.
ففي 3 سبتمبر، عرض رئيس الوزراء السابق وزعيم حزب «معاً» نفتالي بينيت جانباً من برنامجه لما بعد الانتخابات. ونقلت «Ynet» عنه قوله إن حكومته ستعمل على تفكيك «حزب الله» مع «الحفاظ على الحزام الأمني ما دام التنظيم لم يُنزع سلاحه»، فيما تحدث في سوريا عن اتفاقات أمنية تساعد على إبعاد تركيا.
ويشير تداخل هذه المواقف إلى أن الخلاف الانتخابي لا يتعلق فقط بمبدأ توفير الأمن على الحدود، بل أيضاً بحجم العمق المطلوب وراءها ومدته والأدوات المستخدمة لتحقيقه.
وتزداد أهمية ذلك مع شدة المنافسة قبل انتخابات 27 أكتوبر. فقد أظهر استطلاع لـ«كان» نُشرت نتائجه في 4 أكتوبر حصول قائمة سموتريتش وموشيه فيغلين على خمسة مقاعد، مقابل 21 لليكود و23 لحزب «ياشار» بقيادة غادي آيزنكوت، فيما بلغ معسكر نتانياهو 51 مقعداً مقابل 52 للمعسكر المناوئ له. وفي مثل هذا التوازن، تكتسب المقاعد القليلة داخل اليمين وزناً في حسابات تشكيل الحكومة.
وكانت «رويترز» قد أشارت في 8 سبتمبر إلى تدخل نتانياهو لدفع أحزاب اليمين الصغيرة نحو الاندماج، خشية ضياع أصواتها تحت نسبة الحسم، وهو ما انتهى بتحالف سموتريتش مع حزب «زهوت» بزعامة فيغلين.
لكن وضع لبنان وسوريا وغزة وسيناء على خريطة واحدة لا يعني أن أوضاعها متشابهة.
في غزة توجد سيطرة عسكرية إسرائيلية على أجزاء من القطاع، وفي جنوب لبنان يحتفظ الجيش بمواقع داخل الأراضي اللبنانية، وفي سوريا تنتشر قوات إسرائيلية في المنطقة العازلة وعلى الجانب السوري من جبل الشيخ. أما سيناء فهي أرض مصرية تخضع لسيادة دولة ترتبط مع إسرائيل بمعاهدة سلام، ولم يطرح سموتريتش حديثه عنها كساحة عسكرية قائمة.
القاسم المشترك في سياق الانتخابات هو اتساع النقاش حول المسافة التي ينبغي أن يمتد إليها الأمن الإسرائيلي وراء الحدود.
فمن نتنياهو الذي يضع السيطرة والعمق العسكري ضمن حصيلة الحرب، إلى نفتالي بينيت الذي يتحدث عن حزام أمني في لبنان وترتيبات في سوريا، وصولاً إلى سموتريتش الذي يطرح الضم في غزة ولبنان ويستدعي سيناء في معادلة الردع، أصبحت خرائط الجوار جزءاً من التنافس على تعريف أمن إسرائيل بعد 7 أكتوبر.
وبذلك، لن تحدد انتخابات 27 أكتوبر هوية الحكومة المقبلة فقط، بل ستكشف أيضاً أي تصور أمني سيحظى بالتفويض، وأين سيرسم الفائزون الخط الفاصل بين حماية الحدود والامتداد إلى ما وراءها.



