انتخابات أرمينيا.. اختبار الهوية وتوجيه البوصلة

تبدو الانتخابات البرلمانية الجارية اليوم في أرمينيا أكثر من مجرد استحقاق داخلي، فهي أقرب إلى استفتاء على هوية الدولة واتجاه البوصلة الجيوسياسية، بعد سنوات من الصدمات الكبرى التي بدأت بهزيمة حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020، وانتهت بسيطرة أذربيجان الكاملة على الإقليم عام 2023.

قراءة المشهد الانتخابي لا تنحصر في متابعة المنافسة بين رئيس الوزراء نيكول باشينيان ومعارضيه، بل تلامس سؤالاً أعمق حول موقع أرمينيا بين روسيا والغرب، وكيفية إعادة تعريف الأمن القومي والاقتصاد في الجمهورية السوفييتية السابقة، بعد التحولات الإقليمية العاصفة.

المؤشرات السياسية التي سبقت الاقتراع تمنح حزب «العقد المدني بقيادة باشينيان» أفضلية نسبية، لكنها لا توحي بانتصار مريح كالذي حققه بعد «الثورة المخملية» عام 2018. باشينيان ما زال يحتفظ بقاعدة اجتماعية ترى أنه يتعامل بواقعية مع موازين القوى الجديدة في المنطقة.

وبخاصة بعد انهيار مشروع الاحتفاظ بإقليم ناغورنو كاراباخ، بينما يحمّله خصومه مسؤولية «الإذلال القومي» وخسارة الإقليم لأذربيجان، بل والتقارب معها ومع تركيا.

لكن المعارضة نفسها تواجه تحدياً يتعلق بقدرتها على تقديم بديل مقنع، فبينما يتصاعد الغضب الشعبي من خسارة الإقليم وتداعياتها السياسية والنفسية، لا توجد مؤشرات قوية وقاطعة على وجود توافق أرميني واسع حول العودة الكاملة إلى المظلة الروسية، لا سيما بعد الانتقادات التي وُجهت إلى موسكو بسبب موقفها خلال الحرب الأخيرة مع أذربيجان.

وفي المقابل، ترى أوساط سياسية أن الحكومة تحاول استثمار هذا التراجع في الثقة بالدور الروسي لتعزيز توجهها نحو علاقات أوسع مع الغرب، في حين أن الحكومة تتهم خصومها بالسعي لإعادة إنتاج نفوذ النخب القديمة المرتبطة بروسيا، بينما تتهمها المعارضة بتقديم تنازلات استراتيجية تهدد الهوية القومية الأرمينية.

ومن هنا يمكن فهم الطابع الحاد للحملة الانتخابية، بما فيها الاتهامات المتبادلة بالتآمر والتدخل الخارجي ومحاولات زعزعة الاستقرار، فالمعركة لم تعد فقط على البرلمان، بل على تعريف «الوطنية» وموقع أرمينيا الإقليمي في مرحلة ما بعد خسارة كاراباخ.

الكنيسة الأرمينية

العامل الأكثر حساسية في هذه الانتخابات يتمثل في الصدام المتصاعد بين باشينيان والكنيسة الأرمينية، التي تعد إحدى الركائز الرمزية للهوية الوطنية الأرمنية، فدخول المؤسسة الدينية على خط المواجهة السياسية يعكس حجم الانقسام داخل المجتمع، خصوصاً في ظل شعور قطاع من الأرمن بأن البلاد تمر بمرحلة إعادة تعريف مؤلمة لهويتها وحدودها ودورها الإقليمي.

ويمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لما بعد الانتخابات؛ الأول، وهو الأقرب، يتمثل بفوز باشينيان من دون أغلبية مريحة، ما يفرض عليه الدخول في تفاهمات وتحالفات هشة، ويعني استمرار سياسة التوازن بين الانفتاح على الغرب والحفاظ على حد أدنى من العلاقة مع موسكو، بالتوازي مع مواصلة مفاوضات السلام مع أذربيجان.

والسيناريو الثاني يتمثل في تحقيق المعارضة اختراقاً كبيراً يسمح لها بعرقلة الحكومة أو فرض ائتلاف سياسي معقد. وفي هذه الحالة قد تشهد أرمينيا عودة ما إلى الفلك الروسي، لكن ضمن ظروف إقليمية مختلفة عن السابق، في ظل انشغال موسكو بحرب أوكرانيا.

أزمة سياسية

ويبقى السيناريو الثالث، الأقل احتمالاً لكنه الأكثر حساسية، مرتبطاً بإمكانية دخول البلاد في أزمة سياسية إذا طعنت القوى المتنافسة بنتائج الانتخابات أو بشرعيتها، وبخاصة في ظل الاستقطاب الداخلي الحاد، ودخول الكنيسة وشبكات النفوذ التقليدية على خط المواجهة السياسية.

في خلاصة المشهد، تبدو أرمينيا أمام لحظة انتقالية عميقة تتجاوز حدود الانتخابات نفسها، وهي تحاول إعادة تعريف علاقتها مع روسيا والغرب، وصياغة معادلة جديدة لأمنها القومي، وسط بيئة إقليمية شديدة التعقيد. وبين خطاب «السلام الواقعي» الذي يطرحه باشينيان، وخطاب «التمسك بالثوابت القومية» الذي ترفعه المعارضة، يجد الناخب الأرميني نفسه أمام خيارات صعبة تتعدى مجرد تداول السلطة.