يجد لبنان نفسه مجدداً أمام لحظة سياسية وأمنية دقيقة، مع تزايد الضغوط الداخلية والخارجية المرتبطة بملف سلاح «حزب الله»، حيث تُقدَّم نهاية الشهر كأفق أخير لاتخاذ قرارات كبرى جرى تأجيلها لسنوات، ما يضع البلاد أمام سباق قاسٍ بين الاستجابة لشروط الخارج ومنع التصعيد أو مواجهة مزيد من الانهيار، إذا ما رفض «حزب الله» التنازل عن السلاح.
واستعداده للمرحلة الثانية في شمال النهر بالتزامن مع تصعيد إسرائيلي متواصل وغارات مكثفة خلال الأيام الأخيرة، وبين احتمالات التصعيد المفتوح ومحاولات احتواء الانفجار، فإن ثمّة دفعاً نحو هدنة من شأنها أن تجعل السلطة السياسية تشرع في مراجعة الاحتمالات التي ستترتب على نهاية المهل التي مُنحت للبنان بعد نهاية السنة.
دوامة التعطيل
سنة انطلقت مثقلة بتركة الأزمات المتلاحقة العالقة في دوامة التعطيل، وبانتهاء فترة الـ60 يوماً من أجل إنجاز الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، في 27 يناير، بموجب الاتفاق المبرم لوقف الحرب في 27 نوفمبر 2024، وما بينهما تشديد القيود على دخول اللبنانيين إلى سوريا، من بوابة «إشكالية الحدود» الشرعية وغير الشرعية، معطوفةً على ملف النزوح الذي سجل تقدماً ملموساً على صعيد العودة.
وأقفلت على مشهد مترنح بين «هبة ساخنة» على وقع طبول الحرب التي تتوعد بها إسرائيل لنزع سلاح «حزب الله»، وعلى «هبة باردة» من بوابة «اجتماع باريس»، الذي انعقد تحت «راية» الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط.
وما خلص إليه لناحية دعم الجيش اللبناني، عبر مؤتمر ينظم لهذا الغرض في فبراير المقبل من حيث المبدأ، بدعم أمريكي ـ فرنسي ـ سعودي، كما من بوابة «الميكانيزم» (لجنة مراقبة وقف إطلاق النار) المطعمة مدنياً، بعد تحولها من مجرد إطار لمراقبة اتفاق وقف النار إلى طاولة تفاوض بين لبنان وإسرائيل.
أما المؤشرات المتعاقبة التي صدرت عن الجهات الخارجية المنخرطة في الإشراف أو الرعاية أو التوسط في الملف اللبناني، فلم تكن سلبية حيال مسار الأمور بين لبنان وإسرائيل، وخصوصاً أن ما كان يدار خلف الأبواب المغلقة بات على طاولة النقاش الأمني العلني.
اللاحرب واللاسلم
وذلك، على وقع جهوزية الدولة للانتقال إلى المرحلة الثانية من حصرية السلاح شمال نهر الليطاني، تبعاً لتقديرات الميدان والمؤسسة العسكرية، ومقاربة تفاوضية من 4 أهداف أساسية، مرتبة ضمن سلم أولويات واضح:
وقف الأعمال العدائية وعمليات القتل باعتبارها شرطاً إلزامياً لفتح أي نقاش جدي، ثم معالجة ملف الأسرى والعمل على إطلاق سراحهم، يليه انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما وراء الخط الأزرق، تمهيداً لاستكمال ترسيم الحدود البرية.
كما في ملف التحضيرات الفعلية للانتخابات النيابية في مايو المقبل، والتي تتخبط حيالها أيضاً كل الحسابات والاحتمالات. وذلك، وسط سلسلة تطورات متزامنة، أبرزها:
إدخال تمثيل مدني إلى لجنة «الميكانيزم» المعنية بمتابعة الوضع جنوب الليطاني، إحكام الجيش اللبناني سيطرته بشكل كامل جنوب الليطاني باستثناء النقاط الـ5 التي ما زالت تحتلها إسرائيل، وهذا ما تعوّل عليه الدولة اللبنانية في تظهير صورة الواقع الجنوبي أمام المجتمع الدولي.
والتي تم إرسالها بواسطة الحقيبة الدبلوماسية من خلال جولة السفراء في الجنوب مؤخراً، عودة النقاش الدولي حول مستقبل الوجود الأممي بعد انتهاء ولاية قوات «اليونيفيل» نهاية العام المقبل، إلى جانب زحمة موفدين واتصالات أعادت بيروت إلى صدارة الاهتمام الدبلوماسي.
إنهاء الشغور
أما قصر بعبدا، الذي احتفى بانتهاء حقبة الفراغ التي استحكمت بالموقع الرئاسي الأول منذ 31 أكتوبر 2022، ففتح أبوابه لخامس قائد للجيش اللبناني منذ الاستقلال يصبح رئيساً للجمهورية.
علماً أن عون كان القائد والمهندس الفعلي على الأرض، ما بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في سبتمبر 2024، إذ خاض التحدي الثاني لإثبات قدرة الجيش على بسط نفوذه وعلى حماية لبنان في وجه القوات الإسرائيلية.
استحقاق رئاسي
وهي الحكومة الـ78 بعد الاستقلال والـ21 بعد اتفاق الطائف. وبعدما بدا بيانها الوزاري واعداً، منح مجلس النواب حكومة الرئيس سلام الثقة بدرجة مرموقة (95 صوتاً من أصل 128)، في ضوء تشريح الفقرات الحساسة في بيانها، لا سيما المتصل منها بسلاح «حزب الله» ومصيره، وإعادة إعمار ما هدمته آلة الحرب الإسرائيلية.
واستهداف المواطنين على امتداد مساحته، وبعدما اتسعت حلقة النار من الضغط بالميدان إلى الضغط الدبلوماسي على لبنان، وهو الذي لا يزال يعيش حرب استنزاف، من الوريد الجنوبي إلى الوريد البقاعي مروراً بقلب العاصمة بيروت، ويخشى حرباً جديدة.
«بين النهرين»
فيما ستشمل المرحلة الثالثة العاصمة بيروت وجبل لبنان، قبل الانتقال بقاعاً في المرحلة الرابعة، تليها بقية المناطق، على أن تكون بداية العام محطة لتقييم مجلس الوزراء المرحلة الأولى من الخطة.
هم الحدود.. جنوباً وشرقاً
ذلك أنه، وعلى مشارف انتهاء مهلة الـ60 يوماً على الموعد الذي كان مقرراً لانسحاب القوات الإسرائيلية من القرى والبلدات التي تحتلها في جنوب لبنان، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، وتحديداً في 27 يناير، أعلنت إسرائيل رفضها الانسحاب بذريعة أن الجيش اللبناني «لم يفِ بالتزاماته»، وأبلغت واشنطن نيتها البقاء في جنوب لبنان لمدة شهر إضافي على الأقل، واستبقت سريان وقف إطلاق النار.
ودخلت إلى قرى وأودية وجرفت تربتها واقتلعت أشجارها، فيما حذر الناطق باسمها أفيخاي أدرعي 64 قرية من دخول الأهالي إليها حتى إشعار آخر، وهو الإشعار الذي لم تحدد له إسرائيل آخر، وأمعنت في «تفخيخ» ساعاته على وقع مناورتها المستمرة في المنطقة الفاصلة بين «أقل من حرب، وأكثر من تصعيد».
«جلستا السلاح»
وكان هذا هو المخرج الذي توصل إليه، فنفذ من قطوع «أقر مجلس الوزراء» وتفادى الانفجار، ولعل ما أعاد الوهج إلى هذه الأولوية تمثل في الإعلان عن تخصيص واشنطن دعماً للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بمجموع 230 مليون دولار، تتوزع بين 190 مليون دولار للجيش و40 مليون دولار لقوى الأمن.
وذلك في إطار سعيها لنزع سلاح «حزب الله». وهكذا أيضاً، بدا «خميس الورقة الأمريكية» مكملاً لـ«ثلاثاء وخميس السلاح»، في خضم المأزق الذي واجهه لبنان حينها تحت لاءات ثلاث:
«لا» تجديد لـ«اليونيفيل»، و«لا» مؤتمر للإعمار، و«لا» استقرار أمنياً، في حال عدم المبادرة لإقرار حصرية السلاح بيد الدولة. أما إسرائيل، فلا تزال تضع دولة لبنان على «خرائط النار»، وتختار منها ما يناسب المجزرة وتوسيع رقعة الدم وضرب المدن وتهجير سكانها جمعاً كـ«زلزال» نزوح.
والجنوبيين تحديداً، تؤرخ بالمسيرات وبالإنذارات والدوائر الحمر على خريطة الاعتداءات، ومعها لم يعد الليطاني بضفتيه الجنوبية والشمالية هو الحد الفاصل، بل وسعت إسرائيل العدوان نحو حدود الأولى، فاستهدفت في 18 نوفمبر «عاصمة الشتات» (مخيم عين الحلوة)، بلا إنذار.
ووصلت ليل العدوان بنهاره بسلسلة إنذارات أتبعتها بجولة غارات من الطيران الحربي استهدفت قرى وبلدات جنوبية، ما أنذر باقتراب «ساعة الصفر» المضبوطة وفق توقيت تل أبيب.
مبادرة رئاسية
مروراً بتكليف اللجنة الخماسية بالتأكد في منطقة جنوب الليطاني من سيطرة القوى المسلحة اللبنانية وحدها وبسط سلطتها بقواها الذاتية، ووصولاً إلى جهوزية الدولة للتفاوض، برعاية أممية أو أمريكية أو دولية مشتركة، على أي اتفاق يرسي صيغة لوقف نهائي للاعتداءات عبر الحدود.
التفاوض مع إسرائيل
والمواجهة التفاوضية الأولى عبر «الميكانيزم» كانت في 19 ديسمبر، وتم الاتفاق على عقد اجتماع جديد للجنة في 7 يناير المقبل، غداة تقرير الجيش حول ما حققه على صعيد حصر السلاح في جنوب نهر الليطاني.
والبحث في الخطة التي سيتم وضعها للعمل على سحب السلاح في شمال النهر. علماً أن إسرائيل لا تزال تسعى إلى «التفاوض تحت النار»، فيما لبنان يعول على المفاوضات ذات الطابع السياسي، وسيكون مضطراً لـ«السير على الجمر» في هذا المسار التفاوضي.
«فجوة» مالية
إلا أن حساب المشروع الحكومي لم يتلاءم مع «بيدر» جمعية المصارف، وإن هو أعطى حلاً بالتراضي ووزع الخسائر بالثلاثة على الحكومة والحاكمية والحاكم بأمر المال، فانقسمت خليتها على نفسها، بين مصارف لوحت بالإضراب، وبين من ينتظر ليبني على الشيء مقتضاه.
ذلك أن الحكومة وقفت على عتبة الوفاء بوعد إصدار قانون الفجوة المالية، كخطوة في طريق استعادة الانتظام المالي المفقود وردم الهوة بين ضفتي الانهيار والإصلاح. وبعد أسوأ أزمة مالية ضربت لبنان، أعلن الرئيس سلام الخطوط العريضة لقانون الفجوة المالية.
