بهدف تطويق الأحداث التي تدحرجت منذ الإعلان عن منع طائرة إيرانية من الهبوط في مطار بيروت، وما تلا ذلك من احتجاجات وقطع طرقات وحرق إطارات واعتداءات على «اليونيفيل»، في مشهد شكل تحدياً خطيراً واستفزازياً للأمن والاستقرار وسلامة المرور إلى أهم مرفق حيوي، بحيث تكررت ممارسات قطع هذا الشريان الأساسي الوحيد للملاحة الجوية، استنفر المسؤولون ومؤسسات الدولة بحزم وقوة لفتح الطرقات وملاحقة المعتدين على «اليونيفيل» ومثيري الشغب، وذلك بضوء أخضر من قصر بعبدا والسراي الحكومي، فيما وصف رئيس الجمهورية، العماد جوزاف عون، ما حصل على طريق المطار وفي عدد من المناطق في بيروت بالممارسات المرفوضة والمدانة، مؤكداً أن القوى الأمنية لن تتساهل مع أي جهة تتمادى في الإساءة للاستقرار والسلم الأهلي في البلاد.
من جهته، وبعد لقاء جمعه برئيس الجمهورية، أمس، أكد رئيس الحكومة نواف سلام، أن حرية التعبير مكفولة، لكن من غير المقبول إطلاقاً قطع الطرقات وتعطيل الأوضاع، وأن الاعتداء الذي طال موكب من قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان أمر مُدان، وبعيد كل البعد عن التظاهر السلمي، مشيراً إلى ضرورة التشدد بالحكم على كل من أخل بالأمن.
وإذْ يتولّى لبنان الرسمي معالجة ذيول هذه الأزمة، فإنّ الشارع ولليوم الثالث على التوالي، تفلّت من ضوابطه، وهدد المطار وطريقه، ووضع المرفق الحيوي الأول أمام حركة عِصيان لا تأتي بنتيجة سوى الفوضى. علماً أن المحتجين كانوا قد أقدموا، على إحراق جيب تابع لقوات «اليونيفيل»، قبل أن يتبين أن الاعتداء حصل على موكب نائب قائد «اليونيفيل» المنتهية ولايته، والذي كان في طريقه إلى بلاده، ما أسفر عن إصابته. كما عملوا على قطع الطرق مستخدمين ركام الأبنية المدمرة في الضاحية الجنوبية لبيروت.
خط بيروت - طهران
وفي السياق، لا تزال أزمة رحلات الطيران بين لبنان وإيران متجهة لمزيد من التعقيد، ذلك أن جهات أمريكية، ووفق معلومات «البيان»، نقلت رسالة إسرائيلية واضحة إلى بيروت: إما يتخذ القرار بإيقاف الرحلات المتوجهة من إيران إلى لبنان، وإما يقصف المطار في حال هبوط أي طائرة إيرانية على أرضه، وذلك تحت ذريعة أموال تنقل إلى «حزب الله» عبر هذه الرحلات. والتحذير الإسرائيلي أدى إلى اتخاذ قرار بعدم السماح لطائرة تابعة لشركة ماهان إير الإيرانية بالتوجه من طهران إلى بيروت. أما الرد الإيراني، فقضى بمنع طائرتين تابعتين لطيران الشرق الأوسط من إعادة عشرات الرعايا اللبنانيين من إيران.
وهكذا، فإن الأزمة إلى مزيد من التعقيد: هبوط الطيران الإيراني في بيروت يعني قصف المطار من جانب إسرائيل، وعدم هبوط الطيران الإيراني في بيروت يعني وجوب التفتيش عن خط بين بيروت وطهران عبر بلدٍ ثالث.. فهل يسلك هذا الخيار طريقه إلى التطبيق؟ أم أن خيار قطع طريق المطار، كما حصل، والتوسع في القطع وفي إشعال الإطارات يمكن أن يشكل ضغطاً على الحكومة اللبنانية؟ وما بين حدي هذين السؤالين، فإن ثمة إجماعاً على أن ما يحصل على خط بيروت - طهران هو بمثابة «الكِباش» الأول واختبار القوة الأول بين الحكومة اللبنانية و«حزب الله»، وقد تعقبه اختبارات أخرى في الجنوب وكيفية تطبيق القرار 1701. وهذا الاختبار موعده الثلاثاء المقبل .. فهل يكون هناك تمديد ثانٍ للهدنة؟
انسحاب .. لا انسحاب!
ولم تحجب الأزمة الناشئة بين بيروت وطهران خطورة تصاعد المؤشرات الإسرائيلية الى تمديد ثانٍ، وربما أكثر، لبقاء قواتها في عدد من النقاط والمواقع الاستراتيجية على الحدود الجنوبية للبنان مع إسرائيل، الأمر الذي جعل لبنان يرفض ذلك فوراً ويضغط بقوة على الولايات المتحدة لدفعها إلى إلزام إسرائيل الانسحاب، في 18 من الجاري، انسحاباً تاماً، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان، والذي تم تمديده في 26 يناير الماضي.
وما بات شبه مؤكد، وفق تأكيد مصادر متابعة لـ«البيان»، هو أن إسرائيل ستبقى موجودة في 5 مواقع جنوباً بعد انتهاء مهلة وقف إطلاق النار، وهذا ما نقله رئيس لجنة الإشراف على تنفيذ الاتفاق، الجنرال الأمريكي جاسبر جيفرز، إلى المسؤولين اللبنانيين.