تزامنت مواقف لبنانية لافتة بشأن الجنوب، أمس، مع استمرار التصعيد الإسرائيلي على الأرض، حيث أكد الرئيس جوزيف عون أن الدولة لن تتخلى عن أي شبر من الجنوب، فيما وضع رئيس الحكومة نواف سلام معادلة إضافية تقوم على رفض انتظار «تسوية إقليمية كبرى» لمعالجة الملفات اللبنانية.
وخلال استقباله وفداً من بلدية دير ميماس، شدد عون على أن الدولة ستبقى إلى جانب أبناء الجنوب، الصامدين منهم والنازحين قسراً، حتى زوال الاحتلال الإسرائيلي، معتبراً أن بقاء أهالي المناطق الحدودية في قراهم يمثل خط الدفاع الأول عن السيادة. وأكد أن الدولة ستكون سنداً لهم، ولن تتخلى عن أي شبر من أرضها.
ويضع موقف عون ملف الجنوب في إطار مزدوج: التمسك بالأرض من جهة، وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها من جهة أخرى، بالتوازي مع المساعي السياسية والدبلوماسية لوقف الاعتداءات، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأهالي، وبدء الإعمار.
لا انتظار للإقليم
ومن النبطية، ذهب رئيس الحكومة نواف سلام إلى بعد آخر في المقاربة نفسها. فإلى جانب تأكيده ضرورة تحقيق الانسحاب الإسرائيلي وبناء دولة «جيشها واحد وقرارها واحد»، رفض ربط معالجة الأزمة بانتظار تسوية إقليمية شاملة، قائلاً إن مثل هذه التسوية «قد تأتي أو لا تأتي، أو قد تتأخر سنوات»، وإنها إذا حصلت فقد تكون على حساب لبنان.
ويبرز هنا اختلاف في ترتيب الأولويات أكثر منه تغييراً في الأهداف المعلنة. فالانسحاب الإسرائيلي، وعودة السكان، وإعادة الإعمار، وتعزيز سلطة الدولة، ملفات مطروحة منذ فترة، لكن سلام وضعها هذه المرة ضمن إطار زمني وسياسي واضح: التحرك لمعالجتها من دون إبقائها معلقة على ما قد تفرزه صراعات المنطقة أو تسوياتها المقبلة.
واكتسب هذا الطرح دلالة إضافية من مكان إعلانه. ففي النبطية، أعلن سلام عودة مؤسسات رسمية إلى العمل، وتحدث عن مشاريع لترميم مستشفيات وتأهيل شبكات الكهرباء والمياه وتوريد آليات للإنقاذ والإطفاء، بالتوازي مع إقراره بأن حجم احتياجات الجنوب يتجاوز قدرة الدولة ويتطلب تمويلاً كبيراً.
الميدان يضغط
هذا المسار يجري تحت ضغط ميداني مستمر. الطيران الإسرائيلي شن غارات على موجتين استهدفت بلدة المنصوري جنوب صور، فيما نفذت القوات الإسرائيلية عملية تفجير في بلدة عيترون، وفق الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية.
وسبق ذلك قصف مدفعي طال بيت ياحون والمنصوري ووادي زبقين ووادي السلوقي، إلى جانب إطلاق نار باتجاه حداثا وأطراف برعشيت.
ويكشف تزامن الخطاب السياسي مع استمرار العمليات العسكرية عن الترابط بين الملفات المطروحة: فلا عودة مستقرة للسكان من دون أمن، ولا إعادة إعمار مكتملة مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، ولا انتشار كامل لمؤسسات الدولة من دون معالجة وضع الأراضي التي تطالب بيروت بانسحاب إسرائيل منها بالتوازي مع نزع سلاح «حزب الله».
وبين تأكيد عون التمسك بالأرض ورفض سلام تعليق معالجة الأزمة على الإقليم، يبقى التطور الميداني عاملاً حاسماً في تحديد قدرة الدولة على تحويل هذه الأولويات إلى خطوات قابلة للتنفيذ.

