بعد أكثر من ربع قرن على انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، عاد اسم قلعة الشقيف التاريخية ليتصدر المشهد مجدداً، فلا يمكن النظر إلى احتلال القلعة باعتباره مجرد تقدم عسكري في منطقة حدودية، بل محاولة لاحتلال التاريخ بعد الجغرافيا، فهي مكان تختلط فيه الذاكرة بالتاريخ.
تجد قلعة الشقيف نفسها في قلب الصراع. تاريخها الطويل كحصن وموقع استراتيجي، ورمزيتها الكبيرة لكافة الأطراف، تجعل منها ومن محيطها مسرحاً دائماً للمواجهات.
القلعة التي أسس لبنائها سكان لبنان القدماء الفينيقيون، وشهدت مرور الحضارات اليونانية، الرومانية، العربية والاحتلال الصليبي، تظل شاهدة على تاريخ لبنان القديم والمعاصر، إذ تحدت على مر العصور احتلالها من الفرس والرومان والصليبيين والإسرائيليين.
شاهد صامت
قلعة الشقيف، القائمة على أرض أرنون، ليست مجرد موقع أثري، بل هي شاهد على تاريخ المنطقة وحضارتها وصمود أهلها عبر القرون، وتشكل جزءاً أساسياً من التراث اللبناني والإنساني الذي يجب حمايته وصونه، فهي شاهد صامت وعنيد على تاريخ الحروب والصراعات في الشرق الأوسط.
ولم تأت أهمية الشقيف من تاريخها وحده، بل من هندستها العسكرية أيضاً. فالقلعة شُيّدت فوق نتوء صخري شاهق، وأحيطت بخندق محفور في الصخر وممرات وأقبية وأنفاق دفاعية، ما جعل اقتحامها مهمة بالغة الصعوبة عبر العصور. ولا تكتسب أهميتها من تاريخها فقط، بل من موقعها الذي جعلها واحدة من أكثر النقاط الاستراتيجية حساسية في المنطقة، حيث تجمع بين القيمة الأثرية الممتدة منذ العصور الصليبية، والأهمية الجيوسياسية التي فرضتها طبيعة موقعها الجغرافي المطل على مساحات واسعة من المنطقة الحدودية.
استنساخ الماضي
تاريخ حافل عاشته هذه القلعة، وهذا ما يدفع إلى التخوّف من استنساخ للماضي، وإعادة احتلال القلعة بهدف إسقاط النبطية والقرى المتاخمة والسيطرة العسكرية التامة، لاسيما وأنها تبعد كيلومتراً واحداً عن أرنون، وهي تشرف على نهر الليطاني وسهل مرجعيون ومنطقة النبطية، وتطل على سوريا وتشرف من الشمال على فلسطين.
قلعة الشقيف مصنّفة رسمياً تحت بند «الحماية المعزّزة» بموجب اتفاقية لاهاي، وهي أعلى مرتبة قانونية تفرض حظراً مطلقاً على استهداف الموقع أو استخدامه للأغراض الحربية.ولاستكشاف الدوافع الإسرائيلية العميقة الكامنة وراء الإصرار على احتلالها، لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد عمليات عسكرية ميدانية، بل باعتبارها رسالة سياسية واضحة، مفادها أنّ تل أبيب تسعى إلى تحسين شروطها التفاوضية، ورفع سقف مطالبها قبل أي تفاهمات محتملة، فيما لا يمكن إغفال المسؤولية السياسية والعسكرية لـ«حزب الله» في التسبب بهذا الاحتلال الجديد، بعد أن تذوق اللبنانيون طعم التحرير الكامل عام 2000.
التحكم بالنار
السيطرة على قلعة الشقيف تمنح الجيش الإسرائيلي أفضلية ميدانية تفتح أمامه طريق التقدّم نحو تلة علي الطاهر، الأعلى من الشقيف والمشرفة على كامل منطقة النبطية. ومن هذه النقطة، تصبح القوات الإسرائيلية قادرة على التحكّم، بالنار والرؤية والمراقبة، لتصل إلى محاولة فرض وقائع جغرافية وسكانية جديدة.
