لبنان بين نار التصعيد وضغوط التفاوض

يدخل لبنان مرحلة من الترقّب المثقل بالمخاوف من انهيار شامل لبقايا الهدنة أو وقف النار «النظري»، في وقت تلوّح فيه إسرائيل بالتحفّز لاستئناف الحرب الواسعة، حيث يقف لبنان اليوم في قلب عاصفة إقليمية كبرى تتداخل فيها الحسابات الأمريكية والإسرائيلية مع رهانات داخلية شديدة الخطورة. بالتزامن مع عقد الجولة الثالثة من المحادثات بين إسرائيل ولبنان يومي الخميس والجمعة المقبلين في واشنطن العاصمة. وتسعى السلطات إلى جعل التفاوض نبراسها الأقوى لإنقاذ الوطن من عبث البندقية التي لم تجلب سوى الدمار.

ويبدو أن ثمة قراراً اتّخذه الرئيس جوزيف عون بأن يكون الوفد برئاسة السفير السابق سيمون كرم إلى جانب السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حماده معوض وشخصية عسكرية ترافق كرم، بما يعكس اتّجاه لبنان إلى تشديد المطالبة بوقف النار أولاً ومن ثم الشروع في المفاوضات على القضايا الجوهرية، وعزي قرار إيفاد كرم إلى إضفاء الجديّة الكاملة على مفاوضات سياسية عسكرية في الوقت نفسه بعد الموقف الرافض للقاء الرئيس عون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وضغية انتظار

لذلك فإنّ لبنان بدا تبعاً لذلك أمام وضعية انتظارٍ مزدوج على مساره التفاوضي: يتسع هامش الفراغ الذي تستغله إسرائيل لفرض «وقائع صلبة» على الأرض. فغياب التوافق اللبناني على هوية «المفاوض» وشروط «التفاوض» يجعل الساحة عرضة لاستنزاف طويل،  

عقدت جولتان من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان على مستوى السفراء في واشنطن، في 14 و23 أبريل الماضي من دون التوصل إلى نتائج فعلية. وكثّفت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، ضغوطها على لبنان لرفع مستوى التفاوض، عبر الدعوة إلى عقد لقاء بين الرئيس اللبناني، جوزيف عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، وذلك في ظل استمرار الهجوم الإسرائيلي على لبنان، ومن دون تقديم ضمانات بإمكانية تحقيق تقدّم على صعيد الانسحاب من الأراضي اللبنانية.

عيون على اتفاق ايران 

في هذا السياق يَبرز انتظارُ ما إذا كان أي اختراق إيجابي على جبهة إيران من شأنه المساعدة في جعْل ترامب، يزيد من الضغط على تل أبيب لالتزامٍ تام بالهدنة على جبهة لبنان بما يسمح بالمضيّ قدماً بالمفاوضات تكريساً لفَصْلِ المساريْن بين بيروت وطهران.على الرغم من استمرار المفاوضات، فإن إسرائيل لم تلتزم بوقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب؛ إذ استمرت في اعتداءاتها على لبنان،

ويوم الأربعاء، نفّذت إسرائيل أول غارة جوية على بيروت منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، مما زاد من توتر الاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة. مع اقتراب ملف إيران من مفترق شديد الأهمية والخطورة سينعطف معه نحو التهدئة أو التصعيد،

فإنّ هذا الأمر يعزّز في رأي أوساط واسعة الاطلاع الدور الذي تؤديه المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن، باعتبار أنها ترسم إطاراً ناظماً يوفّر «قالباً جاهزاً» لإسقاط نتائج أي «حَرْبٍ أخيرة» مع طهران أو حِبْرِ أي اتفاقٍ معها على الملف اللبناني.

تؤكد مصادر دبلوماسية مطلعة أن الإدارة الأمريكية رفضت حصر زيارة الرئيس عون إلى واشنطن بلقاء ثنائي مع الرئيس ترامب، وأبلغت دوائر قصر بعبدا أن الزيارة يجب أن تتضمن لقاءً مباشراً ومصافحة علنية مع نتانياهو، برعاية أمريكية كاملة، لافتة إلى أن واشنطن منحت الرئاسة اللبنانية مهلة تنتهي نهاية الأسبوع لحسم موقفها النهائي من هذا الطرح، وسط تهديدات غير مباشرة بأن إسرائيل قد تعود إلى توسيع عملياتها العسكرية في لبنان، وأن بنك الأهداف قد يشمل هذه المرة بنى تحتية ومؤسسات رسمية.