إيران وأمريكا.. رسائل متناقضة تفتح الباب على التصعيد والتهدئة

لا يمكن قراءة ما يحدث بين إيران والولايات المتحدة باعتباره أحداثاً متفرقة، إذ تتداخل فيها خطوط الردع مع محاولات التهدئة.

حيث إنه يتكرر دائماً سيناريو التلويح بالتصعيد العسكري ثم العودة إلى المسار الدبلوماسي دون نتائج ملموسة، وإن وتيرة الأحداث ستبقى في هبوط وصعود، إذ تتجنب أمريكا التورط في حرب جديدة أو استئناف حرب ستكون كلفتها باهظة.

بينما تحرص إيران على عدم تعريض بنيتها الداخلية والاقتصادية لضربات واسعة مع استمرار التصعيد. ويبدو أن السيناريو الأقرب هو «تعزيز الهدوء الهش» بأن تبقى المراوحة بين الإبقاء على الوضع القائم حالياً مع استمرار التهديد المتبادل.

عندما سُئل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية لقاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الأسبوع المقبل، أجاب: «أنا منفتح على النظر في إمكانية لقاء الرئيس الإيراني».

حيث طرح قبلها بساعات أن هناك ثلاثة خيارات: القضاء على إيران، أو ترك اقتصادها ينهار من تلقاء نفسه، أو التوصل إلى اتفاق سلام. فيما كان الرد الإيراني بالتهديد بحرب طويلة مع اعتراض وتدمير مسيّرة أمريكية من طراز «إم كيو - 1» فوق مضيق هرمز، فجر أمس.

«المدّ والجزر»

لا شك أن المشهد بين الولايات المتحدة وإيران يتسم بحالة من «المدّ والجزر»، حيث يسعى كل طرف إلى إظهار صلابة موقفه وانتظار تراجع الطرف الآخر، ما يفسر التذبذب بين التصعيد والتهدئة خلال الفترة الحالية. وتنتقل إدارة ترامب من أداة إلى أخرى في حربها على إيران، من خلال سيناريو محتمل، يتخطى حالة اللاحرب واللاسلم القائمة.

والتي قد تستمر لوقت يطول، ويبدو أن ترامب يتجه للمزج بين استمرار الضغط السياسي والاقتصادي مع أقل قدر ممكن من العمل العسكري ضد إيران إلى حين تنتهي نتائج الانتخابات النصفية، ثم يقرر في ضوء نتائجها.

كما ينتظر أيضاً نتائج الانتخابات الإسرائيلية للنظر في فرص فوز أو خسارة بنيامين نتانياهو والبناء عليها في خطواته المستقبلية في إيران. فهو يسعى إلى إعادة تشكيل ديناميكيات التفاوض مع إيران أكثر منها الإجهاز عليها.

فرغم التصريحات الحادة التي وصف فيها التفاوض مع طهران بأنه مضيعة للوقت، فإن ترامب لم يغلق قنوات التواصل بالكامل، بل أبقى الباب موارباً أمام استئناف المحادثات.

لكنه أقرّ بأن واشنطن تواجه صعوبة في تحديد المسؤولين الإيرانيين القادرين على التفاوض وإبرام اتفاق. لا سيما بعد ترحيبه بلقاء مرتقب للرئيس الإيراني على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك.

ردع متبادل

واشنطن وطهران قد تكونان أقرب إلى المواجهة العسكرية اليوم أكثر من أي لحظة أخرى، لكنهما رغم هذا ليستا على حافة الحرب، ويظل السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استئناف المواجهة العسكرية ضمن نطاق محدود.

بحيث تظل عمليات الردع المتبادل محصورة في محيط مضيق هرمز والأهداف الاستراتيجية، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. لا سيما أن المسار التصعيدي لم يحقق الأهداف.

لكن الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية دفعت الطرفين إلى الابتعاد عن الحرب الشاملة والبحث عن مسار تفاوضي جديد. ويتيح هذا المسار لواشنطن وطهران الحفاظ على قدر من الردع المتبادل، دون تجاوز الحدود التي قد تقود إلى مواجهة مفتوحة.

حيث يبقى التوتر تحت السيطرة، مع حدوث تصعيدات متقطعة. ما يعني أن ترامب سيحافظ على الحالة القائمة حالياً إلى حين تنتهي الانتخابات النصفية.

لكن ذلك لا يمنع من وقوع بعض الأحداث في المضيق لتحسين شروط التفاوض، بما قد يعيد إحياء تفاهمات تقوم على ضمان أمن الملاحة مقابل ترتيبات تتعلق بالعقوبات أو الالتزامات الأمنية، بينما تملك أسواق الطاقة القدرة على فرض إيقاع أسرع مما توحي به الخطابات السياسية.