«وول ستريت جورنال»: إيران تتحول إلى «اقتصاد البقاء»

مع تراجع احتمالات العودة إلى حرب عسكرية واسعة بين الولايات المتحدة وإيران، يزداد التركيز على الاقتصاد من كلا الجانبين لتحقيق أهدافه. وبينما تأخذ إيران مضيق هرمز، ومعه الاقتصاد العالمي، رهينة منذ بدء الحرب في نهاية فبراير، فإن الحصار الأمريكي للموارد الإيرانية يبدو محكماً ويستند إلى خبرة طويلة في أدوات الحصار والعقوبات. واستعداداً لضغوط إضافية متوقعة على النظام في طهران، لجأت القيادة الإيرانية إلى تبني نمط اقتصادي متبع ومعروف في البلدان التي تعاند سياسياً وتصر على عدم التراجع عن ابتزازها، وهو اقتصاد البقاء. وملخصه تحويل موارد الشعب إلى الدولة، بما يزيد من الفقر ويكسب الدولة وقتاً إضافياً من الناحية السياسية.

تتبع إيران هذا النهج، وفق تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، رغم أنها ليست آلية مضمونة ومخاطرها كبيرة جداً، خاصة من جهة احتمال اندلاع احتجاجات شعبية واسعة، خاصة في حالة مثل الحالة الإيرانية. فقبل الحرب كان الشارع الإيراني معتاداً على الاحتجاجات، وبعضها شكل خطراً على النظام خلال السنوات القليلة الماضية. لكن يبدو أن طهران لا خيار أمامها سوى معادلة: الفقر مقابل البقاء، التي جربها النظام العراقي السابق تحت قيادة صدام حسن.

يقول محللون لصحيفة وول ستريت جورنال، إن طهران تقنن السلع الشحيحة، وتحد من الوصول إلى العملات الأجنبية، وتخفض الاستثمارات، وتنقل جانباً أكبر من الأعباء إلى الأسر، في الوقت الذي تحافظ فيه على الواردات الاستراتيجية والآليات الأساسية لعمل الدولة. والنتيجة ستكون تفاقم حالة الركود الاقتصادي، بما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الفقر والخلل، لكنه يمنح أيضاً قادة إيران مساحة أكبر للمماطلة في المحادثات مع الولايات المتحدة.

وهذا يجعل استراتيجية ترامب قائمة على افتراض محفوف بالمخاطر، وهو أن إيران ستنهار قبل أن تتراجع واشنطن. وحذر وسطاء نظراءهم الأمريكيين من أن إيران تعيش تحت العقوبات منذ سنوات، وأن الرهان على أن طهران ستقدم تنازلات نتيجة الضغط الاقتصادي لن يؤدي على الأرجح إلى النتائج المرجوة.

وإذا تمكنت إيران من الصمود فترة أطول مما تتوقعه واشنطن، فسيكون لديها سبب أقل للتخلي عن أوراق الضغط التي تملكها في مضيق هرمز، ما يطيل أمد المواجهة وخطر تجدد القتال.

وقال هادي كهلزاده، الزميل غير المقيم في معهد كوينسي والمسؤول السابق في منظمة الضمان الاجتماعي الإيرانية: «سيؤدي هذا الضغط تدريجياً إلى نقل إيران من اقتصاد قادر على الصمود وامتصاص الصدمات إلى اقتصاد بقاء يستمر في العمل، لكنه يفقد بصورة مطردة قدرته على التعافي».

وأضاف: «القمع وهيكل الدولة يجعلان من الصعب أن يتحول هذا الألم إلى ضغط قوي بما يكفي لتغيير قرارات الأمن القومي».

وبعد أسابيع من تجدد القتال في أعقاب انهيار اتفاق مؤقت في يونيو، تبنى ترامب الضغط الاقتصادي باعتباره خطوته المفضلة التالية، مستبعداً في الوقت الراهن شن مزيد من الضربات، ومنح العقوبات والحصار البحري مزيداً من الوقت لإحداث تأثيرهما.

وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن السياسات الاقتصادية للإدارة دفعت العملة الإيرانية إلى انهيار حاد ورفعت معدل التضخم إلى مستويات من ثلاثة أرقام.

ويبدي المسؤولون الإيرانيون علناً قلقهم من الوضع. وقال الرئيس مسعود بزشكيان مراراً إن على إيران تجاوز حالة «لا حرب ولا سلام». وذكرت وسائل إعلام رسمية أنه التقى المرشد مجتبى خامنئي في أواخر يوليو، في محادثات تناولت معيشة السكان وتأمين الموارد وإدارة العملات الأجنبية واستهلاك الطاقة.

وتزداد الضغوط حدة. فقد تراجعت صادرات النفط الإيرانية، التي تشكل العمود الفقري لإيرادات الدولة ومصادر العملات الأجنبية، إلى مستوى قريب من الصفر في يوليو بعد أن أعادت الولايات المتحدة فرض حصارها، مقارنة بإيرادات بلغت 4.5 مليارات دولار في يونيو، وفقاً لـ«كابيتال إيكونوميكس».

وقال هوميون فلكشاهي، رئيس تحليل النفط الخام في شركة «كبلر» لتتبع السفن، في إفادة لوول ستريت جورنال إن أياً من الناقلات لم يحمل النفط هذا الشهر من جزيرة خرج، وهي المحطة الرئيسية لصادرات النفط الإيرانية.

كما أصبحت لدى إيران هوامش احتياطية أقل مما كانت عليه قبل فرض الحصار الأول في أبريل، بحسب «كابيتال إيكونوميكس». فقد انخفضت كميات النفط الإيراني المخزنة في البحر خارج نطاق الأسطول البحري الأمريكي قبالة سواحل البلاد من نحو 180 مليون برميل إلى قرابة 60 مليون برميل في أوائل يوليو.

وفي الداخل، تجاوز معدل التضخم السنوي 80%، فيما ارتفعت أسعار الدجاج بنسبة 190% مقارنة بالعام السابق، والحليب بنسبة 150%.

ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4% هذا العام، فيما يقدر كهلزاده أن الحرب قد تؤدي في نهاية المطاف إلى فقدان ما بين مليوني و3 ملايين وظيفة.

وقال وليام جاكسون، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في «كابيتال إيكونوميكس»: «ستعتمد آثار الضغط الاقتصادي على موقف إيران التفاوضي على السياسة الداخلية». وأضاف: «النظام منقسم بشدة، ويبدو أن المتشددين هم الطرف الصاعد».

ويترافق التشدد السياسي مع استراتيجية اقتصادية تقوم على الصمود بدلاً من التعافي.

وقال جاكسون إن مجموعة الأدوات المتاحة أمام طهران تشمل تقنين الوقود والكهرباء، وتقييد الوصول إلى العملات الصعبة الشحيحة، وطباعة النقود لتمويل الرواتب وإعادة الإعمار والإنفاق الحكومي الآخر رغم تراجع الإيرادات.

كما يمكن للحكومة تأجيل المدفوعات والاستثمارات، واستخدام شبكاتها القديمة للالتفاف على العقوبات بهدف إبقاء التجارة مستمرة.

ووفق الصحيفة، بدأت إيران بالفعل تطبيق انقطاعات دورية للكهرباء وفرض قيود على المصانع، فيما سُمح لبعض المنشآت بنقل الإنتاج إلى أيام الجمعة، التي تعد عادة يوم عطلة، لتعويض الإنتاج المفقود.

كما اعتمدت الحكومة سعراً مدعوماً بصورة كبيرة للصرف لتغطية واردات تصل قيمتها إلى 3.5 مليارات دولار من سلع مثل القمح والأدوية وحليب الأطفال، مانحة الأولوية للسلع الأساسية على الاستخدامات الأخرى للدولارات النادرة.

وبموجب برنامج جديد، يمكن للأسر التي تتلقى إعانات اجتماعية شراء السلع الأساسية بالائتمان، على أن تخصم أي ديون غير مسددة من مدفوعات الرعاية الاجتماعية النقدية المستقبلية. وتخطط السلطات أيضاً لتعديل قيمة قسائم الغذاء كل 3 أشهر لمواكبة تضخم أسعار المواد الغذائية.

وتجري الأسر الإيرانية من جانبها تعديلات مشابهة. وقال أشخاص في إيران إنهم باتوا يقصرون إنفاقهم على الأساسيات مثل الغذاء والبنزين والأدوية، ويحذفون اللحوم من وجباتهم، ويشترون المواد الأساسية قطعة واحدة في كل مرة مع تراجع قيمة الأجور.

وبحسب خلاصة تقرير وول ستريت جورنال، قد يمنح سلوك «اقتصاد البقاء» إيران مزيداً من الوقت، لكنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى تآكل أسسها المالية. ويمكن أن يؤدي استمرار نقص الاستثمار بمرور الوقت إلى تحول الخلل الاقتصادي إلى حالة يصعب معها حكم البلاد، خصوصاً إذا ألحقت هجمات عسكرية متجددة أضراراً جسيمة بالبنية التحتية للطاقة التي تبقي الاقتصاد قائماً.