في الطرف الشرقي من السهوب الكازاخستانية، عند ملتقى جبال ألتاي بضفاف نهر إرتش، يقبع مرفقٌ صغير الحجم بليغ الأثر؛ لا يحرس مالاً ولا ذهباً، وإنّما يحفظ تسعين طناً من سداسي فلوريد اليورانيوم المنخفض التخصيب، تكفي وحدها لتشغيل مدينة كبيرة على مدار ثلاث سنوات. هذا هو "بنك الوقود النووي" التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، المنشأة الأولى من نوعها في العالم، والتي اختارت أستانا استضافتها على أراضيها لتحويل سجلّها في نزع السلاح إلى رأسمال دبلوماسي طويل الأمد.
تعود الأضواء اليوم إلى بنك الوقود مع تصاعد الحديث عن دور كازاخستاني محتمل في احتواء مخزون اليورانيوم الإيراني المخصَّب بنسبة 60%، الذي تُقدّره الوكالة بنحو 440 كيلوغراماً. غير أنّ المتخصّصين يحذّرون من أنّ بنك "أولبا" في صيغته الحالية، غير مهيأ قانونياً لاستقبال يورانيوم عالي التخصيب، وأنّ أيّ ترتيب من هذا القبيل سيتطلّب إطاراً قانونياً مستقلاً، وبنيةً تحتيةً مخصّصة، وتمويلاً جديداً.
من فكرة إلى مؤسسة
تعود الفكرة إلى عام 2006، حين تبنّت مبادرة "التهديد النووي"، وهي منظمة أميركية غير حكومية أسّسها السيناتور الديمقراطي سام نان ورجل الإعلام تيد ترنر، مشروعاً لإنشاء احتياطي دولي للوقود النووي، يقطع الطريق على الدول التي تتذرّع برغبتها في تخصيب اليورانيوم محلّياً للتمدّد نحو القدرات العسكرية. ويتلقى البنك تمويلاً من عدة دولة، ن بينها دولة الإمارات. وتبرّع الملياردير الأميركي وارن بافيت بمبلغ 50 مليون دولار لإطلاق المشروع في 2006، شريطة أن تستكمل الدول الأعضاء 100 مليون دولار إضافية.
استجابت الوكالة الدولية للطاقة الذرية للفكرة، وأقرّ مجلس محافظيها في 3 ديسمبر 2010 إنشاء البنك رسمياً. وبعد عام واحد، عرضت كازاخستان احتضانه على أراضيها، استناداً إلى موقعها الجغرافي، وبنيتها التحتية النووية الموروثة عن الحقبة السوفييتية، وخصوصاً إلى سجلّها المعنوي الذي شكّله قرار الرئيس الراحل نور سلطان نزارباييف التخلّي طوعاً عن الترسانة النووية الرابعة في العالم مطلع التسعينيات.
ولادة عسيرة
استغرقت المفاوضات أربع سنوات كاملة من العمل التقني والقانوني، تُوّجت بتوقيع "اتفاقية الدولة المضيفة" في أغسطس 2015 بين وزارة الخارجية الكازاخستانية والوكالة الدولية. ثم تتالت الاتفاقات؛ إطار العبور عبر الأراضي الروسية في يونيو 2015، واتفاق مماثل مع الصين في أبريل 2017. وفي 29 أغسطس 2017، وهو اليوم العالمي لمناهضة التجارب النووية، جرت مراسم الافتتاح في أستانا، إذ سلّم نزارباييف المفاتيح الرمزية للبنك إلى المدير العام للوكالة آنذاك يوكيا أمانو، في مشهد تجاوزت دلالاته السياسية حجم المنشأة الفعلي.
ومع وصول أوّل شحنة وقود إلى مصنع "أولبا" في مدينة أوسكامين في أكتوبر 2019، باتت المنشأة عاملة فعلياً، ووصفها المدير العام بالإنابة آنذاك كورنيل فيروتا بأنّها "أوّل مشروع تخوضه الوكالة بهذا الحجم من التعقيد القانوني والتشغيلي واللوجستي".
أرقام ومواصفات
الموقع: مصنع "أولبا" المعدني في مدينة أوسكامين بإقليم شرق كازاخستان، على بُعد نحو ألف كيلومتر من العاصمة أستانا.
السعة التخزينية: 90 طناً مترياً من سداسي فلوريد اليورانيوم منخفض التخصيب، الصالح لإنتاج وقود مفاعلات الماء الخفيف.
التمويل: 150 مليون دولار من تبرّعات طوعية تكفي لتشغيل البنك عشرين عاماً، توزّعت كالآتي: 50 مليوناً من مبادرة "التهديد النووي" (تبرّع بافيت)، 49.54 مليوناً من الولايات المتحدة، نحو 32 مليوناً من الاتحاد الأوروبي، 10 ملايين من كلٍّ من الإمارات العربية المتحدة والكويت، 5 ملايين من النرويج، إضافةً إلى 400 ألف دولار من كازاخستان ذاتها.
المورّدون: شركة "كازأتومبروم" الكازاخستانية وشركة "أورانو سايكل" الفرنسية، عبر أكبر صفقة شراء أبرمتها الوكالة منذ تأسيسها عام 1957.
الملكية: ملكية قانونية كاملة للوكالة الدولية، فيما تتولّى كازاخستان مسؤولية الأمن والسلامة وفق نظام الضمانات الشاملة والبروتوكول الإضافي.
فلسفة البنك
لم يُصمَّم البنك ليُنافس السوق التجارية للوقود النووي، وإنّما ليكون شبكة أمان أخيرة تلجأ إليها الدول الأعضاء حين تعجز عن الحصول على الوقود من المصادر التقليدية، بسبب عقوبات أو أزمات إمداد أو اضطرابات سياسية. والشرط الجوهري، كما تنصّ الاتفاقية، أن يُستخدم اليورانيوم حصراً لإنتاج وقود مفاعلات الطاقة، وأن تدخل الدولة المستفيدة في اتفاقية توريد مع الوكالة تتعهّد بموجبها بعدم تحويله إلى أيّ نشاط عسكري.
غير أنّ القيمة الحقيقية للبنك أبعد من البُعد التشغيلي.. فهو، بحسب وزير الطاقة الأميركي الأسبق إرنست مونيز، يضع الدول الطامحة إلى التخصيب الذاتي أمام سؤال محرج؛ لماذا تتكبّد دولة ما كلفة باهظة لبناء منشآت تخصيب مستقلّة، ما دامت تستطيع الحصول على الوقود من احتياطي أممي مضمون؟ هنا تكمن وظيفة البنك كأداة ردع ناعمة في معادلة منع الانتشار النووي.
رأسمال دبلوماسي
ورثت كازاخستان بُعيد استقلالها عام 1991 ترسانةً ضخمة من الأسلحة النووية السوفييتية، إلى جانب موقع التجارب في "سيميبالاتينسك" الذي شهد أكثر من 400 تفجير نووي. اختار نزارباييف إغلاق الموقع رسمياً في 29 أغسطس 1991، وهو التاريخ نفسه الذي اختير لاحقاً لافتتاح بنك الوقود النووي، وتسليم الترسانة إلى روسيا، والانضمام إلى معاهدة عدم الانتشار النووي دولةً غير نووية.
هذا الإرث منح أستانا موقعاً تفاوضياً فريداً؛ فهي أكبر منتج لليورانيوم الطبيعي في العالم، تملك سلسلة قيمة نووية متكاملة، ولها سجلٌّ نظيف في الالتزام بالضمانات الدولية. وقد استثمرت هذا الرصيد في استضافة جولتَين من مفاوضات (5+1) مع إيران في مدينة ألما-آتا عام 2013، ثم في تزويد طهران بستّين طناً من اليورانيوم الطبيعي ضمن تنفيذ الاتفاق النووي عام 2015.
تبقى الحقيقة الثابتة أنّ هذا المرفق الصغير، القابع على حافة آسيا الوسطى، أصبح في غضون أقلّ من عقد من الزمن نموذجاً عملياً لتحويل الإرث النووي السوفييتي إلى أداة دبلوماسية، ورمزاً لإمكان جعل التعاون متعدّد الأطراف بديلاً واقعياً عن سباق التخصيب.



