بعد أن تضع حرب إيران أوزارها، فإن المجالات الجديدة المرشحة أكثر للبحث والتحليل والتقييم هو ما الأدوار التي لعبتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجريات الحرب؟ هل تدخل - على سبيل المثال - في تحديد موقع المرشد الإيراني علي خامنئي؟ هل اعتمد الأميركيون والإسرائيليون على تقييمات الذكاء الاصطناعي بشأن صحة معلومات تتعلق بالمواقع الجديدة لمخازن الأسلحة الإيرانية؟ هل ساعدت التقنيات الفائقة الذكاء في اختصار الوقت والجهد لإنشاء خرائط محدثة لمواقع إطلاق الصواريخ من إيران؟
هذه الأسئلة، وغيرها، تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي في الميدان العسكري أبعد من الصورة السائدة على أنه روبوت يقاتل بسلاح رشاش على جنود الخصم، فالاستخدام الأكثر يكون في اختصار الوقت والجهد، خاصة إذا علمنا أن مسؤولو الاستخبارات (وفق تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال) لديهم القدرة على تحليل 4% فقط من المعلومات المتاحة أمامهم. الآن أصبح هناك من يتولى الـ 96 % بنماذج مدربة على أداء مهام عالية المستوى ومتلاءمة مع العمل الأمني - العسكري.
من المبكر تقييم دور الذكاء الاصطناعي في الحرب الحالية، لكن تقارير صحفية وتسريبات وتقييمات رصدت بعض الجوانب في هذا الإطار ضمن الجهد الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران. وبالفعل، كما ذهبت وول ستريت جورنال، في تقريرها اليوم، تتسارع العمليات العسكرية التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران بوتيرة غير مسبوقة من حيث السرعة والدقة، نتيجة أشهر من التخطيط وحشد قوة عسكرية ضخمة، إضافة إلى سلاح متقدم لم يُستخدم بهذا النطاق من قبل: الذكاء الاصطناعي.
وبحسب الصحيفة، فإن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تُستخدم لجمع المعلومات الاستخباراتية واختيار الأهداف وتخطيط مهام القصف وتقييم الأضرار في ساحة المعركة بسرعات لم تكن ممكنة سابقاً. كما تساعد هذه الأدوات القادة العسكريين في إدارة الإمدادات، بدءاً من الذخيرة وصولاً إلى قطع الغيار، وتتيح لهم اختيار السلاح الأنسب لكل هدف.
وقبل أن تطلق المقاتلات الإسرائيلية صواريخ باليستية استهدفت مقر إقامة المرشد الإيراني علي خامنئي قبل أسبوع، كانت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية قد أمضت سنوات في مراقبة كاميرات المرور المخترقة في طهران والتنصت على اتصالات كبار المسؤولين الإيرانيين، مع اعتماد متزايد على الذكاء الاصطناعي لفرز الكم الهائل من الاتصالات التي يتم اعتراضها.
ويأتي استخدام الذكاء الاصطناعي في الحملة العسكرية ضد إيران بعد سنوات من العمل داخل وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون»، إضافة إلى الدروس المستفادة من جيوش أخرى. فقد باتت أوكرانيا، بدعم أميركي، تعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في حربها مع روسيا، كما استخدمت إسرائيل هذه التقنيات في نزاعات سابقة على الأقل منذ هجمات «حماس» في أكتوبر 2023.
ودعا وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إلى تسريع تبنّي الذكاء الاصطناعي لإنشاء قوة قتالية تعتمد على مبدأ «الذكاء الاصطناعي أولاً». وفي الوقت نفسه يخوض الوزير مواجهة علنية مع شركة «أنثروبيك» المورّدة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، في حين تعاقد البنتاغون مع شركة «أوبن إيه آي» المنافسة لاستخدام نماذجها في بيئات مصنفة سرية. كما أصدر الرئيس دونالد ترامب أمراً بوقف استخدام منتجات «أنثروبيك» داخل الحكومة. ومع ذلك يقول مسؤولون أميركيون إن الحرب الدائرة في إيران أظهرت فعالية نظام الذكاء الاصطناعي «كلود» الذي تطوره الشركة.
وترفض الولايات المتحدة وإسرائيل الكشف عن الكيفية الدقيقة التي يتم بها استخدام الذكاء الاصطناعي في الصراع المتصاعد، إلا أن تصريحات حديثة لقادة عسكريين وخبراء تقنيين تقدم لمحة عن ذلك.
وتستهدف معظم تطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكرية تزويد القادة والمخططين بمعلومات أكثر اكتمالاً وبسرعة أكبر مما هو ممكن حالياً، ما يسمح لهم باتخاذ قرارات أفضل وأسرع من الخصم، وبالتالي تحقيق تفوق في ساحة المعركة.
وتقول الولايات المتحدة إنها استهدفت أكثر من 3000 هدف داخل إيران منذ بدء الهجمات، مستخدمة مجموعة واسعة من الأسلحة، بينها طائرات مسيّرة هجومية أُطلقت من سفن حربية، ومقاتلات «إف-22» انطلقت من إسرائيل، وقاذفات الشبح «بي-2» التي أقلعت من الأراضي الأميركية.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي يساعد في إدارة التعقيد الهائل الناتج عن تشغيل هذا العدد الكبير من الطائرات والأسلحة، فإن استخدامه ما يزال محدوداً، كما أن تكلفة القرارات الخاطئة تبقى مرتفعة. ويعتقد محققون عسكريون أميركيون أن القوات الأميركية ربما كانت مسؤولة عن ضربة في اليوم الأول من الحرب أدت إلى مقتل عشرات الأطفال في مدرسة ابتدائية للبنات داخل إيران.
وغالباً ما يستحضر الحديث عن الذكاء الاصطناعي العسكري صور روبوتات قاتلة، لكن الواقع أن أبرز استخداماته الحالية تكون خارج ساحة القتال، في مجالات تستغرق وقتاً وجهداً كبيرين مثل الاستخبارات وتخطيط العمليات والخدمات اللوجستية.
وتُعد هذه المجالات غير القتالية مناسبة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، لأن اثنين فقط من كل عشرة أفراد في الجيش يشاركون فعلياً في القتال، بينما يعمل ما يصل إلى 90% من العسكريين في أدوار دعم.
وتشبه أدوات الذكاء الاصطناعي التي يستخدمها البنتاغون أنظمة مثل «تشات جي بي تي» ونماذج اللغة الكبيرة المتاحة تجارياً، لكنها مصممة خصيصاً للعمليات العسكرية ومدربة على تنفيذ مهام محددة باستخدام بيانات مرتبطة بساحات القتال، بهدف تجنب الأخطاء وعدم الدقة التي قد تصيب الأنظمة العامة.
ومع ذلك، تظل الحرب من أكثر الأنشطة البشرية تعقيداً وفوضوية، ما يطرح تحديات خاصة حتى أمام أحدث تقنيات التفكير الآلي. ويقول الجنرال المتقاعد في سلاح الجو الأميركي جاك شاناهان، أول مسؤول عن الذكاء الاصطناعي في البنتاغون، إن تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي عسكرية أمر صعب جزئياً لأن كثيراً من البيانات المتاحة للتدريب قديمة أو غير واضحة.
وأضاف: «بُنيت وزارة الدفاع في الأساس كشركة صناعية تعتمد على العتاد في العصر الصناعي، وقد واجهت صعوبة في التحول إلى شركة رقمية في عصر تهيمن عليه البرمجيات».
وتبدأ الضربات العسكرية عادةً بالعمل الاستخباراتي، وهو مجال قد يتطلب آلاف المحللين الذين يمضون ساعات طويلة في فحص الاتصالات المعترضة والصور الفوتوغرافية وبيانات الرادار لتحديد مواقع منصات إطلاق الصواريخ والأنفاق والأهداف الأخرى.
لكن المحللين البشر لا يستطيعون عادةً فحص أكثر من 4% فقط من المواد الاستخباراتية التي يتم جمعها.
وقال العقيد الإسرائيلي يشاي كوهن، رئيس قسم التخطيط والاقتصاد وتكنولوجيا المعلومات في وزارة الدفاع: «التأثير الفوري الأكبر للذكاء الاصطناعي يظهر في مجال الاستخبارات». وأضاف أن كثيراً من المهام المحتملة لم تكن تُنفذ سابقاً ببساطة لعدم توفر العدد الكافي من العاملين لتحليل البيانات.
وباتت تقنيات الرؤية الحاسوبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على تحديد أعداد هائلة من الأهداف بسرعة، مع القدرة على التعرف إلى نماذج محددة من الطائرات أو المركبات، كما يمكنها تحليل الاتصالات المعترضة واستخلاص أهم المحادثات منها.
وقال ماتان غولدْنر، الرئيس التنفيذي لشركة «كونتور» الإسرائيلية التي تبيع برامج تحليل الفيديو للأجهزة الأمنية، إن وكالات الاستخبارات تمتلك بالفعل كميات ضخمة من بيانات الفيديو، وإن الذكاء الاصطناعي الحالي يسمح لها بالعثور على ما تبحث عنه بدقة داخل بحر من المعلومات.
وكما هو الحال مع أنظمة الذكاء الاصطناعي التجارية، يمكن للمستخدمين التعمق في النتائج عبر استفسارات محددة، مثل تحديد كل منصات إطلاق الصواريخ الموجودة قرب مستشفى معين. كما يمكن برمجة النظام لإرسال تنبيه عند وقوع حدث محدد، مثل التقاط صورة قرب قاعدة عسكرية.
وفي سلسلة من التدريبات العسكرية أطلق عليها اسم «سكارليت دراغون»، استخدم الفيلق الجوي المحمول الثامن عشر في الجيش الأميركي برامج من شركة «بالانتير» لتحليل البيانات، ما مكّنه من تنفيذ عملية تحديد أهداف اعتُبرت الأكثر كفاءة في تاريخ الجيش، وفق إيميليا بروباسكو، الباحثة في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورجتاون.
وقالت إن الذكاء الاصطناعي مكّن الفيلق من تحقيق هذا الإنجاز باستخدام 20 شخصاً فقط، مقارنة بأكثر من 2000 موظف شاركوا في عمليات مماثلة في العراق.
كما تستخدم جيوش حلف شمال الأطلسي الذكاء الاصطناعي لتعقب «أسطول الظل» الروسي من ناقلات النفط، عبر مسح ملايين الكيلومترات المربعة عدة مرات يومياً لرصد السفن التي تنقل الوقود بشكل غير قانوني في عرض البحر.
وقال الأميرال الفرنسي بيير فاندييه، المسؤول الأعلى للتحول الرقمي في الناتو، إن الذكاء الاصطناعي حوّل تحليل الاستخبارات العسكرية من عملية بحث في الظلام عن أهداف إلى عملية فرز بين أعداد هائلة منها.
وأضاف: «عدد الأهداف التي يمكن تحديدها باستخدام الذكاء الاصطناعي يتزايد بشكل هائل».
ولتحديد الأولويات ووضع خطط العمليات، يستخدم البنتاغون بشكل متزايد الذكاء الاصطناعي لإجراء نماذج ومحاكاة حروب رقمية. ففي العام الماضي تعاقدت الوزارة مع شركة «ستراتيجي روبوت» لتطوير أنظمة قادرة على تحليل ملايين السيناريوهات المحتملة رغم نقص المعلومات الكاملة.
وفي الماضي، كان إعداد خطة عملية عسكرية يتطلب أسابيع من الاجتماعات والوثائق الورقية الضخمة، بينما يمكن للذكاء الاصطناعي الآن إنجاز العمل نفسه خلال أيام.
وتشمل عملية التخطيط لأي هجوم عسكري، سواء العملية السريعة التي استهدفت اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير أو الحرب الحالية ضد إيران، مشاركة خبراء في مجالات متعددة مثل الاستخبارات والقيادة القتالية وأنظمة التسليح والخدمات اللوجستية، وغالباً ما يشارك فيها نحو 40 شخصاً.
وقال ضابط في الجيش الأميركي يعمل في أوروبا إن زيادة عدد المشاركين في التخطيط تؤدي عادةً إلى إبطاء العملية.
ومع تطور الخطط وتقدم الاستعدادات، يقوم كل خبير بتعديل خطته الخاصة، ما ينعكس على خطط الآخرين. فإذا نقلت التقارير الاستخباراتية هدفاً للقصف إلى موقع أبعد، قد يختار القادة طائرات أو أسلحة مختلفة، ما يؤثر بدوره على جداول الطواقم وخطط الطيران واستهلاك الوقود.
وكان تحديث هذه المعطيات في الماضي بطيئاً ويعتمد على التقدير البشري، أما الآن فيمكن للذكاء الاصطناعي معالجة التفاعلات المعقدة فوراً، مع احتساب تأثير كل تغيير على بقية عناصر العملية العسكرية.
وبعد تنفيذ الضربة، يمكن للذكاء الاصطناعي تسريع تقييم الأضرار عبر برامج تحليل الصور، على غرار الأدوات المستخدمة في جمع المعلومات الاستخباراتية. ورغم أن دقة التحليل تعتمد على جودة الصور، التي قد تتأثر بعوامل بسيطة مثل الطقس أو موقع الهدف، فإن قدرة الذكاء الاصطناعي على دمج مصادر متعددة من البيانات تغير هذا المجال.
وفي عملية تُعرف باسم «دمج المستشعرات»، يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل الصور والرادار والبصمات الحرارية وبيانات أخرى لإنتاج قائمة بالنتائج المحتملة. ويساعد التحليل السريع لنجاح الضربات أو فشلها في تحديث قوائم الأهداف اللاحقة.
لكن هناك أمراً لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلّه، وهو الحكم البشري. ويحذر كثير من المسؤولين العسكريين المشاركين في مشاريع الذكاء الاصطناعي من خطر الاعتماد المفرط على المعلومات التي تقدمها الأنظمة التقنية، وهو اتجاه يُختصر أحياناً بعبارة: «الذكاء الاصطناعي قال افعل ذلك».
