تواصل القوات الأمريكية عمليات حماية الملاحة في مضيق هرمز وفرض الحصار البحري على إيران، في مهمة مفتوحة حققت نتائج مهمة.
وكشف تقرير ميداني نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، من على متن حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس جورج واشنطن» في بحر العرب، تفاصيل العمليات العسكرية التي تنفذها القوات الأمريكية على مدار الساعة لضمان استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز، والضغوط المتزايدة على الجنود والطيارين وأطقم الصيانة والسفن الحربية، بعد أشهر من العمليات المتواصلة دون فترات راحة كافية.
وبحسب الصحيفة، نجحت الولايات المتحدة وشركاؤها في استعادة تدفق النفط عبر المضيق رغم الهجمات الإيرانية المتكررة، إلا أن المحافظة على هذا الإنجاز تتطلب عمليات جوية وبحرية كثيفة، بدأت تترك آثاراً متزايدة على جاهزية المعدات والأفراد، في ظل غياب أفق واضح لإنهاء المواجهة المستمرة منذ شباط الماضي.
ورصدت «وول ستريت جورنال» مشاهد من العمليات الليلية على متن حاملة الطائرات «جورج واشنطن»، حيث تنطلق المقاتلات الأمريكية المحملة بصواريخ جو-جو تحت جنح الظلام، متجهة نحو مضيق هرمز لاعتراض صواريخ كروز والطائرات المسيّرة الإيرانية التي تستهدف السفن التجارية.
وتعكس هذه التفاصيل طبيعة العمليات التي تتكرر بصورة شبه يومية، وتتطلب تنسيقاً دقيقاً بين الطائرات والسفن الحربية ومنظومات المراقبة والدفاع الجوي، في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية بالنسبة إلى إمدادات الطاقة العالمية.
وأفاد الجيش الأمريكي بأنه ساعد أكثر من 3000 سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز خلال الأشهر الستة الماضية، وهو ما أتاح لصادرات النفط الخليجية تجاوز مستويات ما قبل الحرب خلال الأسابيع الأخيرة.
وفي نهاية الأسبوع الماضي، حلق الأدميرال براد كوبر، قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، فوق المضيق بالتزامن مع إعلان القيادة المركزية الأمريكية وصول إجمالي النفط المصدر عبر الممر المائي منذ الصيف إلى 1.5 مليار برميل.
وتؤكد واشنطن أنها أضعفت بصورة كبيرة قدرة إيران على رصد السفن وتتبعها، وأن 95% من حركة الملاحة تمر بأمان عبر المضيق.
لكن الحفاظ على هذه النسبة يتطلب انتشاراً عسكرياً واسعاً، يشمل حاملتي طائرات وسفينة هجوم برمائي وأكثر من اثنتي عشرة مدمرة مزودة بصواريخ موجهة، إضافة إلى الطائرات المأهولة والمسيّرة المنتشرة في قواعد عسكرية بمناطق مختلفة من الشرق الأوسط، بحسب الصحيفة.
وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن الوتيرة المتواصلة للعمليات الجوية والبحرية بدأت تفرض ضغوطاً كبيرة على القوات الأمريكية، بعدما عملت حاملات الطائرات المشاركة في الصراع لأشهر متتالية على مدار الساعة، مع فترات راحة محدودة.
وسجلت بعض هذه الحاملات أرقاماً قياسية في العصر الحديث من حيث طول مدة الانتشار وعدد الأيام المتواصلة في البحر دون التوقف في الموانئ.
وقال الأدميرال داريل كودل، رئيس العمليات البحرية الأمريكية، إن البحرية تستخلص الدروس من هذا الصراع، وتعمل على تخفيف الضغوط من خلال إنشاء مركز لصيانة السفن في قاعدة دييغو غارسيا بالمحيط الهندي، وزيادة فرص توقف السفن في الموانئ.
مليارات الدولارات شهرياً
وتنتشر حالياً في الشرق الأوسط قوة أمريكية قوامها نحو 50 ألف عسكري، إلى جانب 20 سفينة تابعة للبحرية الأمريكية.
ويقدر مكتب الميزانية في الكونغرس أن العمليات العسكرية تكلف الولايات المتحدة ما بين مليارين وثلاثة مليارات دولار شهرياً، في ظل الاستهلاك المستمر للذخائر ووقود الطائرات والإمدادات اللازمة للحفاظ على وتيرة العمليات.
وتتجاوز تداعيات هذا الاستنزاف الجانب المالي، إذ يقر مسؤولون أمريكيون بأن استمرار تخصيص هذه الموارد الضخمة لمواجهة إيران يؤثر في قدرة الولايات المتحدة على التصدي للنفوذ الصيني، وربما الاستجابة لأزمات أمنية أخرى في مناطق مختلفة من العالم.
ورغم تأكيد القادة العسكريين قدرة القوات المنتشرة على مواصلة الحصار البحري وحماية السفن التجارية ما دامت مطالبة بذلك، فإن بعض المسؤولين يرون أن الوضع الحالي في المضيق يصعب استدامته من دون مساهمة دولية أوسع.
وكانت محاولات سابقة لإدارة الرئيس دونالد ترامب لتشكيل تحالف دولي لتأمين الملاحة في المضيق قد أخفقت في تحقيق النتائج المرجوة.
وفي ظل استمرار المواجهة، تعمل وزارة الدفاع الأمريكية على إرسال مزيد من القوات والسفن إلى المنطقة، بينما يدرس الرئيس ترامب شن جولة جديدة من الضربات ضد إيران لكسر حالة الجمود ودفع طهران إلى الاستسلام، وفقاً لما أوردته الصحيفة.
وأكد البيت الأبيض أن الحصار البحري سيظل سارياً «بكامل قوته وفاعليته»، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لن تشن هجمات على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
ويواجه الطيارون الأمريكيون تحديات معقدة خلال مهامهم الليلية فوق مضيق هرمز، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه نحو 20 ميلاً، حيث يعج المجال الجوي بالأجسام الطائرة، ما يمنح الطيارين ثواني معدودة لاعتراض المقذوفات المنطلقة من السواحل الإيرانية.
وقال أحد الطيارين إن سربه حقق نسبة نجاح بلغت 100% في حماية السفن عندما تكون المقاتلات في مواقعها وتمتلك الذخائر اللازمة لاعتراض التهديدات. لكنه أقر بأن إيران تشن أحياناً هجمات على عدد من السفن يفوق قدرة القوات الأمريكية على حمايتها في الوقت نفسه.
وأوضح الأميرال جيفري هيمز، قائد مجموعة حاملة الطائرات الضاربة، أن المقاتلات تتدخل فور رصد إطلاق صاروخ كروز مضاد للسفن أو طائرة مسيّرة، وتعترض التهديد وتسقطه خلال فترة قصيرة جداً.
هل يصبح الوقت سلاح واشنطن؟
وفي مقابل الدعوات إلى تصعيد العمليات العسكرية ضد إيران، يرى بعض المحللين أن استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز يمنح الرئيس ترامب فرصة لمواصلة الحصار واستنزاف النظام الإيراني تدريجياً، بدلاً من محاولة إنهاء الصراع سريعاً من خلال ضربات عسكرية قد لا تؤدي إلى تغيير حسابات طهران.
وقال مايكل أوهانلون، مدير الأبحاث في برنامج السياسة الخارجية بمعهد بروكينغز، إن «الوقت في صالح» الرئيس الأمريكي.
وأضاف: «أعتقد أنه يتعين عليك أن توضح أنك مستعد لمواصلة ذلك إلى أجل غير مسمى».
وتكشف المعطيات التي عرضتها «وول ستريت جورنال» عن معادلة معقدة تواجه واشنطن: فمن جهة، نجحت العمليات العسكرية في إعادة تدفق النفط وحماية معظم السفن العابرة لمضيق هرمز، ومن جهة أخرى، تتزايد الكلفة المالية والبشرية والعسكرية للحفاظ على هذا الوضع، دون مؤشرات واضحة إلى قرب التوصل إلى تسوية تنهي المواجهة.

