هل تحسم ورقة ترامب الأخيرة صراع الكنيست الإسرائيلي؟

ترقب إقليمي وعالمي حذر لنتائج صندوق الاقتراع

تتجسد في اللوحة الإعلانية الضخمة التي انتشرت في قلب مدينة تل أبيب عشية الانتخابات التشريعية الإسرائيلية صورة بالغة الدلالة تعكس أبعاد التحالف الاستراتيجي والسياسي المعقد الذي يربط بين رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، زعيم حزب الليكود، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وتُظهر اللوحة الرجلين جنباً إلى جنب في رسالة دعائية مكثفة تتوسطها طائرات حربية مقاتلة وعلم إسرائيل، ومذيلة بشعار حماسي يقول: «لدينا فرصة واحدة.. لننتصر!». ويمثل هذا المشهد محاولة واضحة ومدروسة من معسكر اليمين الإسرائيلي لتوظيف الدعم الأمريكي المطلق والتلويح بالقوة العسكرية الغاشمة كأوراق ضغط حاسمة لاستقطاب الناخبين، في توقيت بالغ الحساسية تشهد فيه المنطقة توترات جيوسياسية غير مسبوقة على وقع التهديدات المتبادلة والملف الإيراني المتأزم.

وترتبط هذه الصورة الدعائية ارتباطاً وثيقاً بواقع الحملات الانتخابية المحتدمة والتحديات الأمنية الإقليمية، لا سيما في ظل المخاوف المتصاعدة من أن يسفر فوز نتانياهو وحلفائه عن تصعيد عسكري مفتوح وعودة المواجهة الشاملة مع إيران ووكلائها في المنطقة، مستنداً في ذلك إلى الغطاء السياسي والعسكري واللوجستي الذي توفره إدارة ترامب لحكومة تل أبيب.

وقد عمد نتانياهو من خلال هذه اللافتة إلى تحويل المعركة الانتخابية برمتها من نقاش حول الأزمات المعيشية والاقتصادية الداخلية إلى استفتاء مصيري على مكانة إسرائيل الأمنية، وقدرتها على حسم الصراعات الإقليمية، ومتانة تحالفاتها الدولية الكبرى في مواجهة التهديدات الوجودية.

وفي سياق مواكبة هذا الحدث الدعائي والسياسي، تفاعل الإعلام الإسرائيلي بشكل مكثف وعكس حالة الانقسام والجدل في الشارع الإسرائيلي حيال هذه الرسائل التصعيدية، فقد أشارت صحيفة «هآرتس» في تحليلاتها إلى أن استخدام صور الرئيس الأمريكي وتوظيف الشعارات العسكرية الفاقعة يعكسان لجوء نتانياهو المعتاد إلى «سياسة الحافة» وهروبه المستمر من أزماته الداخلية واستحقاقات قضايا الفساد والمحاكمات عبر استدعاء التهديدات الخارجية والاعتماد على الضلع الأمريكي.

ومن جانبها، ركزت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الواسعة الانتشار على التداعيات السياسية والأمنية لهذا الرهان، موضحة أن الشعار الذي يرفعه الليكود «فرصة واحدة لننتصر» يخفي خلفه رغبة جامحة لجر الإدارة الأمريكية إلى مواجهة عسكرية مباشرة وواسعة النطاق مع إيران، ما يضع إسرائيل أمام مخاطر استراتيجية كبرى قد تقوض الاستقرار الإقليمي برمته وتكلف الجبهة الداخلية أثماناً باهظة.

على الصعيد المقابل، حظيت هذه التطورات الدعائية والسياسية باهتمام بالغ واسع النطاق في وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى، التي نظرت إلى هذه اللوحات باعتبارها مؤشراً خطيراً على طبيعة المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط، فقد سلطت شبكة «سي إن إن» الضوء على عودة ظاهرة استخدام صور دونالد ترامب في الشوارع الإسرائيلية، معتبرة أن هذا السلوك يكشف عن مدى اعتماد اليمين الإسرائيلي على المظلة الأمريكية لفرض وقائع سياسية وعسكرية جديدة على الأرض، بغض النظر عن المساعي الدولية الدبلوماسية للهدوء.

وفي السياق ذاته، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريراً تحليلياً مفصلاً حذرت فيه من أن مثل هذه الشعارات الانتخابية التصعيدية والتحالف الوثيق بين نتانياهو وترامب قد يدفعان بالمنطقة نحو حافة الانفجار الشامل، مؤكدة أن الإدارة الأمريكية تجد نفسها محاصرة بين رغبة حلفائها في تل أبيب في تصعيد المواجهة مع طهران وبين الحسابات الاستراتيجية الواسعة التي تفضل تجنب الحروب المفتوحة والتركيز على الاستقرار الاقتصادي والسياسي العالمي.

وبهذا تتجاوز اللوحة الانتخابية في تل أبيب حدود الدعاية الحزبية الضيقة لتصبح مرآة عاكسة لصراع إقليمي ودولي واسع، حيث يراهن نتانياهو بكل أوراقه على واشنطن والتلويح بالقوة العسكرية لحسم معركته السياسية والبقاء في السلطة، وسط ترقب إقليمي وعالمي حذر لنتائج صندوق الاقتراع وما ستسفر عنه من تداعيات مصيرية على مستقبل الحرب والسلام في المنطقة.