أخرجوه من الجولة.. فظهر وجهه على ركام غزة


على قطعة خرسانية وسط ركام مدينة غزة، ظهر وجه مغني راب أمريكي ربما لا يعرفه كثيرون بالاسم، لكن أغنيته الشهيرة «Thrift Shop» وصلت قبل سنوات إلى صدارة القوائم العالمية ومنحته شهرة واسعة.
إنه ماكلمور، المغني الأمريكي الحائز جوائز غرامي.
في الجدارية التي رسمتها آن رضوان وزميلها قصي الحلو، بدا ماكلمور ملتحفاً العلم الفلسطيني ورافعاً قبضته. وإلى جانبه رسالة قصيرة: «شكراً لك على استخدام صوتك من أجل فلسطين».
لم يأتِ ماكلمور إلى غزة. لكن قبل أيام فقط كان يقف على مسرح مختلف تماماً، أمام عشرات الآلاف في ملعب «ميتلايف» بولاية نيوجيرسي، ضمن جولة نجم البوب البريطاني إد شيران.
هناك أدى أغنيته الاحتجاجية «Hind’s Hall»، ثم قال من فوق المسرح: «فلسطين حرة».
كلمتان كانتا كافيتين لتغيير ما تبقى من جولته.
لم تكن «Hind’s Hall» أغنية عابرة في مسيرة ماكلمور. فقد أطلقها عام 2024 بعدما سمّى طلاب مؤيدون للفلسطينيين في جامعة كولومبيا مبنى «هاملتون هول» باسم هند رجب، الطفلة الفلسطينية التي قتلت في غزة، وخصص عائداتها آنذاك لدعم الفلسطينيين.
بعد عامين، خرجت الأغنية من ساحات الجامعات إلى أحد أكبر الملاعب الأمريكية. لكن ما حدث داخل الملعب لم يبقَ داخله. انتشرت مقاطع الحفل، واعترضت منظمات يهودية وأمريكية مؤيدة لإسرائيل على ما قاله ماكلمور وعلى الصور التي عرضها خلال أدائه، وطالب بعضها باستبعاده من بقية جولة شيران. وسرعان ما أصبحت المسألة أكبر من حملة على مواقع التواصل.
قالت الشركة المروجة للجولة إن ملاعب أمريكية أبلغتها بأنها لن تستضيف الحفلات إذا بقي ماكلمور ضمن البرنامج. وكان روبرت كرافت، مالك ملعب «جيليت» وفريق نيو إنغلاند باتريوتس، من أبرز المعترضين، مستنداً إلى ما اعتبره خطاباً سابقاً معادياً للسامية.
ماكلمور ينفي ذلك، ويقول إن انتقاده موجه إلى سياسات إسرائيل ولا يستهدف اليهود.
في 14 سبتمبر حُسم الأمر.
خرج ماكلمور من الجولة بعد حفلتين فقط، رغم أنه كان مقرراً أن يشارك في ثمانية من العروض الأمريكية العشرة المتبقية.
إد شيران قال إن القرار لم يكن قراره، وإنما قرار الشركة المروجة بعد اعتراض أصحاب ملاعب على استمرار ماكلمور.
كان يفترض أن يبدأ اسمه بالاختفاء من أخبار الجولة عند هذه النقطة.
حدث العكس.
في اليوم السابق لإعلان استبعاده، سجلت «Hind’s Hall» قليلاً فوق خمسة آلاف استماع عند الطلب داخل الولايات المتحدة. وبعد يومين، اقترب الرقم من 87 ألفاً، وفق بيانات مبكرة لشركة «Luminate» نقلتها تقارير متخصصة في صناعة الموسيقى.
ثم بدأ آخرون بالخروج.
أعلن المغني الأمريكي فينياس، والمغني الأيرلندي آرون رو، وفرقتا "لوكاس غراهام" الدنماركية و"بيوغا" الأيرلندية انسحابهم من بقية الجولة تضامناً مع ماكلمور، ليتحول قرار استبعاد فنان واحد إلى أزمة طالت برنامج جولة كاملة.
ولم تتوقف التداعيات عند الموسيقى.
أعلن ماكلمور التبرع بمليون دولار حصل عليها من مشاركته في الجولة لمنظمات تقدم مساعدات للفلسطينيين. وبعدها أعلنت ميس راشيل، إحدى أشهر الشخصيات الأمريكية في محتوى الأطفال، تبرعاً مماثلاً.
وقال الملياردير روبرت كرافت إن شيران أبلغه بأنه سيتبرع بمليوني دولار للمساعدات الإنسانية، وطلب منه تقديم مبلغ مماثل.
خلال أيام، تحولت عبارتان قيلتا على مسرح في نيوجيرسي إلى انسحابات من جولة ضخمة، وسجال داخل صناعة الموسيقى الأمريكية، وملايين الدولارات من التعهدات بالمساعدات.
أما في غزة، فلم تكن آن رضوان تنظر إلى كل ذلك بهذه التعقيدات.
قالت لـ«رويترز» إن الفكرة كانت ببساطة توجيه رسالة شكر إلى فنان استخدم صوته من أجل الفلسطينيين.
وهكذا، بينما كان الجدل في الولايات المتحدة يدور حول المسارح التي لن يقف عليها ماكلمور، ظهر وجهه على جدار لم يكن موجوداً على أي برنامج للحفلات.
جدار وسط ركام غزة.
عليه العلم الفلسطيني.
وقبضة مرفوعة.
ورسالة واحدة:
«شكراً لك على استخدام صوتك من أجل فلسطين».