طهران تتأهب لـ «تسونامي شعبي» مع اشتداد العقوبات الأمريكية

تدخل إيران مرحلة جديدة من الأزمة، تبدو فيها الجبهة الداخلية أكثر حساسية مع توسيع الولايات المتحدة العقوبات إلى شبكة أوسع من الشركات والمصارف والدول التي تواصل التعامل مع طهران. وفي الوقت نفسه، تشن السلطات الإيرانية حملة على المقاهي والتجمعات الشبابية في المدن، في مؤشر على تنامي القلق من المساحات العامة التي يمكن أن يتحول فيها الاحتجاج الاقتصادي سريعاً إلى غضب سياسي.

في 17 أغسطس 2026، نقلت «رويترز» عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين أن طهران تشعر بقلق من أن تؤدي العقوبات الأمريكية الجديدة إلى زيادة المصاعب المعيشية وإعادة إشعال احتجاجات واسعة، بما يضع مزيداً من الضغط على شرعية النظام. ووفق التقرير، فإن الخطر الذي يشغل صناع القرار يتجاوز الضرر الاقتصادي نفسه إلى احتمال انتقاله إلى اضطرابات على مستوى البلاد.

وتأتي هذه المخاوف بينما تتحرك واشنطن في الاتجاه نفسه مع توسيع وزارة الخزانة الأمريكية نطاق العقوبات الثانوية، بحيث يمكن أن تشمل أنشطة مرتبطة بإيران حتى عندما تتم عبر دول ثالثة، فيما قال مسؤول أمريكي إن الوزارة رسمت خريطة لشبكات تهريب النفط والتحايل على العقوبات، وإن «شرايين التمويل» المتبقية يجب إغلاقها.

المقاهي في مرمى السلطة

وسط هذه الأجواء، بدأت الشرطة الإيرانية إغلاق عشرات المقاهي في مدن مختلفة. وأظهر تقرير نشرته «نيويورك تايمز» جانباً آخر من الحملة. فالمقاهي الصغيرة في طهران ومدن أخرى أصبحت نقاط تجمع للشبان والشابات، وتمتد جلساتها في كثير من الأحيان إلى الأرصفة، بما يخلق تجمعات عفوية خارج المساحات التي تنظمها السلطة أو تستطيع التحكم بها بسهولة.

ونقلت الصحيفة عن فنانة في طهران قولها إن السلطات تبدو وكأنها تنظر إلى تجمعات الشباب خارج المقاهي باعتبارها تجمعات احتجاجية محتملة، رغم أنها في الواقع مجرد مجموعات من الشبان والشابات يقضون الوقت معاً.

ووصف صاحب مقهى ما يجري بأنه بداية «حملة للسيطرة على إيران ما بعد الحرب، على مجتمع غير سعيد ويعيش تحت الضغط».

أرقام تفسر الخوف من الشارع

دخلت إيران الحرب وهي تعاني أصلاً تضخماً مرتفعاً وضعف العملة وأزمة طاقة وعقوبات مزمنة. وأضافت الحرب أضراراً في المصانع ومحطات الكهرباء وشبكات النقل والتجارة، إلى جانب خسائر الإنتاج وكلفة إعادة الإعمار.

وبحسب بيانات مركز الإحصاء الإيراني التي أوردتها «رويترز» في 17 أغسطس، بلغ معدل التضخم السنوي 66% في يوليو، فيما ارتفعت أسعار المستهلكين 87.9% عن مستواها قبل عام، ووصل تضخم أسعار الغذاء إلى 128%. كما تراجعت القيمة الفعلية للحد الأدنى للأجور بالدولار من نحو 105 دولارات إلى 86 دولاراً منذ أواخر مارس، رغم زيادة الأجور اسمياً.

ونقلت «رويترز» عن موظف حكومي في يزد قوله إن راتبه ينفد خلال أيام، وإن اللحوم والدجاج اختفيا من مائدة أسرته. كما تحدث أصحاب أعمال عن تسريح موظفين وإغلاق مشروعات بسبب توقف التجارة وارتفاع التكاليف.

ويمنح تقرير لوكالة «فرانس برس» صورة أكثر وضوحاً عن المزاج الاجتماعي. ففي طهران، قالت سارة حسن بيغي، وهي صيدلانية تبلغ 32 عاماً: «الأمر صعب للغاية حقاً، ولا أعتقد أن الناس قادرون على تحمل هذا الوضع لفترة أطول من ذلك».

وأضافت حسن بيغي أنها تريد السلام، وقالت إن المفاوضات تعني تقديم تنازلات من الطرفين، قبل أن تضيف: «رأيي الشخصي هو أنه ينبغي على إيران تقديم تنازلات الآن».

وتراهن واشنطن على أن توسيع العقوبات الثانوية وإغلاق طرق تهريب النفط والتحويلات المالية والشركات الواجهة سيقلل قدرة طهران على تخفيف أثر العقوبات.

فإذا استمرت الأسعار في الارتفاع، وانخفضت الدخول، وتراجعت فرص العمل، وزادت آثار الحرب على الخدمات والتجارة، فإن الخطر أمام طهران يصبح تراكمياً ويمكن أن تلتقي في لحظة واحدة وتتحول إلى «تسونامي داخلي».

وتختصر الصيدلانية سارة حسن بيغي المعضلة بجملة بسيطة: «لا أعتقد أن الناس قادرون على تحمل هذا الوضع لفترة أطول».