تتجاوز الولايات المتحدة تدريجياً فكرة حصار إيران في البحر إلى إطلاق عملية محكمة لمحاصرة شبكة الأموال التي تبقي اقتصادها قادراً على العمل، في تحول يوسع المواجهة من منع صادرات النفط إلى ملاحقة شبكة الإيرادات الإيرانية بكامل حلقاتها، وتشمل تهريب النفط، والتحويلات النقدية، وشركات الصرافة، والشركات الواجهة، وسجلات السفن والقنوات المصرفية والتجارية التي تسمح لطهران بتحويل صادراتها إلى أموال قابلة للاستخدام.
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد انقضاء مهلة الـ60 يوماً التي كان يفترض أن تقود إلى اتفاق أوسع مع إيران، ما وصفه بأنه «أكثر عملية اقتصادية سحقاً اتُخذت على الإطلاق ضد أي دولة»، مؤكداً أن المرحلة الجديدة ستكون «حرباً اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق».
وحدد بعض أهداف الحملة قائلاً إن تهريب النفط وخطوط المبادلة والتحويلات النقدية وشركات الصرافة وسجلات السفن والشركات الواجهة «يجب أن تتوقف الآن».
ترامب يتجاوز ثغرة الوقت
تأتي الحملة بعد سقوط الرهان على مهلة الـ60 يوماً التي حددها تفاهم يونيو للتوصل إلى تسوية تتناول البرنامج النووي والعقوبات وفتح مضيق هرمز.
وانقضت المهلة من دون اتفاق، فيما قال ترامب إنه لا توجد حالياً محادثات أو اتصالات مقررة مع طهران.
وتشير استراتيجية ترامب الجديدة إلى التحرر من ثغرة الوقت التي تراهن عليها إيران وكان من المفترض أن الزمن ليس لصالح الرئيس الأمريكي. لكن العملية الجديدة تشير مبدئياً إلى تغير كبير في تحرر الجانب الأمريكي من التداعيات العاجلة لحرب إيران. ففي الاستراتيجية الجديدة لا مهلة جديدة معلنة، ولا جدول زمني لرفع الحصار، وإنما ضغط مفتوح يستمر إلى أن تتغير حسابات القيادة الإيرانية.
ووصف دبلوماسي عربي تحدث إلى «فايننشال تايمز» النهج الأمريكي الجديد بأنه انتقال إلى «الصبر الاستراتيجي»، في وقت باتت فيه الحرب معركة إرادات يعتقد خلالها كل طرف أن بإمكانه تحمل الألم الاقتصادي فترة أطول من الآخر.
وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد مهد لهذا التحول بإعلانه أن واشنطن تستعد لإجراءات «لم يسبق لها مثيل في تاريخ العزل الاقتصادي» لدولة، بالتزامن مع استمرار الحصار البحري للموانئ الإيرانية.
هدف أشد تأثيراً من الحصار البحري
لكن الحصار البحري نفسه لم يعد الأداة الأهم في الحسابات الأمريكية. ونقلت «وول ستريت جورنال» عن أشخاص مطلعين أن إدارة ترامب تستهدف تدفقات الأموال المرتبطة بالحرس الثوري في كل مكان، ويمكن أن يكون ذلك - وفق الصحيفة- أكثر تأثيراً على طهران من الحصار البحري للموانئ الإيرانية.
وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن أوامر العقوبات الأمريكية خلال السنوات الماضية كشفت مرور عائدات النفط ومدفوعات مرتبطة بكيانات إيرانية عبر شركات واجهة ومكاتب صرافة، بحيث لا يظهر اسم إيراني بالضرورة في المعاملة.
وقال ماكس ميزليش، المسؤول الأمريكي السابق في ملف العقوبات، للصحيفة إن قدراً كبيراً من النشاط غير المباشر يدعم عمليات إيران في «الصيرفة الموازية والتمويل غير المشروع».
تراهن واشنطن بذلك على أن ضرب شبكة الإيرادات قد يعالج ثغرة ظلت قائمة في أنظمة العقوبات السابقة: تستطيع إيران بيع كميات أقل من النفط تحت العقوبات، لكن طالما بقيت قادرة على تحصيل عائداتها وتحريكها عبر شبكات خارجية، فإن جزءاً مهماً من الضغط يفقد أثره.
أما الاستراتيجية الجديدة فتسعى إلى محاصرة المسار كاملاً، من السفينة التي تحمل النفط، إلى الشركة التي تملكها، والوسيط الذي يبيع الشحنة، والصرافة التي تحرك الأموال، والمصرف الذي تمر عبره، والشركة الواجهة التي تستقبلها.
