تنتهي غداً الاثنين مهلة الـ60 يوماً التي وضعتها الولايات المتحدة وإيران لتحويل تفاهم يونيو إلى اتفاق أوسع ينهي الحرب ويفتح الطريق أمام مفاوضات بشأن البرنامج النووي، لكن الموعد يصل فيما تبدو التسوية أبعد من أي وقت مضى، وحلّت محلها مواجهة اقتصادية مفتوحة تراهن فيها واشنطن على العقوبات والحصار البحري.
وفي مؤشر على أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من التصعيد الاقتصادي، أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن واشنطن تستعد لفرض إجراءات مالية جديدة على إيران خلال الأيام المقبلة، واصفاً السياسة الجديدة بأنها «ضربة مزدوجة» تجمع بين عقوبات غير مسبوقة واستمرار الحصار البحري للموانئ الإيرانية.
وبحسب «نيويورك تايمز»، فإن البيت الأبيض يدرك أن مهلة الاثنين ستنقضي من دون تحقيق الأهداف التي حددها اتفاق يونيو، وفي مقدمتها التوصل إلى إطار أوسع لإنهاء الحرب، وفتح مضيق هرمز، والانتقال إلى مفاوضات جدية حول البرنامج النووي الإيراني.
وتشير الصحيفة إلى أن الصراع تحول تدريجياً إلى اختبار للإرادة والقدرة على الصمود الاقتصادي، بعد تراجع وتيرة الضربات الأمريكية المباشرة منذ أواخر يوليو، فيما بقيت القضايا الأساسية التي كان يفترض أن تعالجها مهلة الـ60 يوماً عالقة.
من الاتفاق إلى الاستنزاف
كان تفاهم يونيو قد منح إيران تخفيفاً من العقوبات، مقابل التزامات مرتبطة بإعادة فتح المضيق والدخول في مفاوضات جدية حول برنامجها النووي. لكن الصياغات الغامضة المتعلقة بالملاحة في هرمز سرعان ما تحولت إلى نقطة خلاف رئيسية.
ورأت طهران أن الاتفاق يمنحها دوراً في تنظيم حركة السفن عبر الممر، بينما رفضت واشنطن هذا التفسير. ومع عودة إيران إلى استهداف سفن تمر خارج مياهها الإقليمية، ردت القوات الأمريكية بضربات على جنوب إيران، لتبدأ دورة جديدة من الهجمات والردود.
ويقول علي واعظ، من «مجموعة الأزمات الدولية»، إن الطرفين يعتقدان أن الوقت يعمل لمصلحتهما، وأن الطرف الآخر سيصبح خلال أيام أو أسابيع أكثر حاجة إلى اتفاق، ما يدفعهما إلى مواصلة «لعبة الاستنزاف».
هرمز يتقدم على الملف النووي
ويكشف تقاطع ما نشرته «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» عن تحول واضح في أولويات الحرب الأمريكية.
فبينما بدأ ترامب المواجهة معلناً أن الهدف الأساسي هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، أصبح فتح مضيق هرمز وخفض أسعار الطاقة في صدارة الحسابات الأمريكية.
وقال نائب الرئيس جيه دي فانس إن إبقاء أسعار الطاقة منخفضة يمثل «الهدف رقم واحد»، قبل منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فيما أكد البيت الأبيض أن الهدفين يحظيان بأهمية متساوية لدى الرئيس.
وترى «وول ستريت جورنال» أن الإدارة الأمريكية أصبحت أكثر تشاؤماً حيال إمكان التوصل قريباً إلى تسوية نووية شاملة، ولذلك بات ترامب يركز على الضغط على الاقتصاد الإيراني لدفع طهران إلى اتفاق يعيد فتح المضيق ويتيح له إعلان انتهاء الحرب.
النفط في قلب المعركة
تظهر بيانات حركة الملاحة حجم التحول الذي طرأ على المضيق. فوفق شركة «كبلر»، عبرت 13 سفينة فقط هرمز يوم الخميس، مقارنة بأكثر من 130 سفينة يومياً قبل الحرب، وسلكت تسع منها المسار الذي تديره إيران.
كما انخفض متوسط حركة السفن خلال أغسطس عن مستواه في يوليو، حين كان نحو 26 سفينة تعبر المضيق يومياً.
ورغم بقاء أسعار النفط العالمية دون 90 دولاراً للبرميل في الأيام الأخيرة، ساعدت المسارات البديلة التي يستخدمها منتجو المنطقة على الحد من القفزات السعرية. غير أن استمرار تراجع الإمدادات عبر هرمز يؤدي تدريجياً إلى استنزاف المخزونات العالمية وتقليص قدرة السوق على امتصاص أي صدمة جديدة.
وتراهن واشنطن على أن قدرة إيران على الصمود الاقتصادي ستتآكل قبل أن ترتفع كلفة الطاقة إلى مستوى يجبر الولايات المتحدة على التراجع.
«ضربة مزدوجة» لإيران
وتستعد الإدارة الأمريكية لتكثيف هذه المقاربة خلال الأيام المقبلة. وقال بيسنت إن قيوداً جديدة ستُفرض على الاقتصاد الإيراني، وإنها ستعمل إلى جانب الحصار البحري باعتبارهما «ضربة مزدوجة».
وتشير تقديرات نقلتها «وول ستريت جورنال» إلى أن صادرات النفط الإيرانية تراجعت من نحو مليوني برميل يومياً قبل فرض الحصار في أبريل إلى مستويات تقترب من الصفر حالياً، كما تعاني إيران عجزاً يومياً يقدر بنحو 29 مليون لتر من البنزين.
وفي الوقت نفسه، تتحرك طهران نحو ما تصفه الصحيفة بـ«اقتصاد البقاء»، من خلال تقنين الوقود والكهرباء، وتقييد استخدام العملات الأجنبية، وخفض الاستثمار، والحفاظ على الواردات والموارد الأساسية للدولة.
وتعكس هذه الإجراءات استعداد القيادة الإيرانية لتحمل فترة طويلة من الضغط، مع نقل جزء متزايد من الكلفة إلى الأسر والاقتصاد المحلي.
