عرضت كل من أمريكا وإيران صيغتهما للحل خلال مفاوضات مسقط يوم الجمعة الماضية، لكن أحداً لم يتحدث عن أوراق تفصيلية تبادلها الجانبان، أو وثائق مكتوبة تحدد ما يمكن التفاوض بشأنه وما هي الخطوط الحمراء. ولم تتغير لغة الخطاب لدى الجانبين بعد هذه الجولة المهمة من المفاوضات وفق تقارير غربية وتصريحات إيرانية، وهذا بحد ذاته يعيد المشهد إلى ثوابت الطرفين المتعارضة، وهي الملف النووي وبرنامج الصواريخ والسياسات الإقليمية.
لكن المتداول، وفق تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتسريبات من جانب مسؤولين غربيين، يظهر المشهد أن هناك ملامح مناقشات جادة بشأن الملف النووي الإيراني. ووفق صيغ سابقة، تريد الولايات المتحدة على أقل تقدير أن تقوم إيران بنقل اليورانيوم المخصب أو على درجة عالية من التخصيب، إلى روسيا. بينما نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن دبلوماسي غربي قوله إن طهران قد تكون مستعدة للموافقة على وقف تخصيب اليورانيوم لعدة سنوات، لكن لم يتحدث عن الموافقة على نقلها إلى الخارج. وأعرب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي السبت عن رفض بلاده فكرة نقل اليورانيوم إلى الخارج.
لكن مقابل انفتاح إيران على مناقشة الملف النووي، فإنها ترفض بشكل قاطع - وفق تصريحات مسؤوليها - على التفاوض بشأن برنامجها الصاروخي. وقد تضل صيغة الحل في نهاية الأمر إلى معادلة صعبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكنها ستكون في إطار صفقة قد تنال إعجابه كونها تتضمن تنازلاً كبيراً، وهو التخلي عن اليورانيوم والتطوير النووي مقابل الاحتفاظ بالصواريخ وبرنامج تطويرها بدون رقابة.
صحيفة "نيويورك تايمز" ذكرت أمس أن صور الاقمار الصناعية تظهر قيام ايران بأعمال بناء في نصف المواقع التي تعرضت للهجمات الاميركية والاسرائيلية في يونيو الماضي.
وفي السياق، جدد وزير الخارجية الإيراني التأكيد أن بلاده ترفض مناقشة برنامجها للصواريخ البالستية، وقال "هذا موضوع دفاعي بحت بالنسبة لنا، لا يمكن التفاوض بشأنه على الإطلاق".
وكان أشار الجمعة إلى أنّ "المباحثات تركّز حصرا على الملف النووي"، فيما تؤكد واشنطن على ضرورة أن تتناول أيضا الصواريخ البالستية ودعم إيران تنظيمات مسلحة في المنطقة. وأفادت تقارير إعلامية بأنّ إسرائيل ضغطت لإدراج هذين البندين على جدول أعمال المفاوضات.
في يونيو الماضي، أطلقت طهران وابلًا من نحو 500 صاروخ استهدفت مواقع مدنية وعسكرية في إسرائيل. وعلى الرغم من أن إسرائيل وجّهت ضربات كثيفة لمنصّات الإطلاق ومخازن الصواريخ الإيرانية خلال حرب استمرّت 12 يوماً في يونيو، فإن إيران خرجت من المواجهة محتفظة بجزءٍ كبير من ترسانته المتبقية وفق تقارير رصد غربية.
ووفق تقارير سابقة لصحيفة «وول ستريت جورنال»، لا تزال إيران تمتلك نحو 2,000 صاروخ باليستي متوسط المدى. كما تملك مخزونات كبيرة من الصواريخ قصيرة المدى، فضلاً عن صواريخ كروز مضادّة للسفن.
وقال بهنام بن طالبو، المدير الأول لبرنامج إيران في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» في إفادة نشرتها وول ستريت جورنال، إن «الصواريخ الباليستية باتت اليوم العمود الفقري لقدرة الردع الإيرانية، في ظل غياب قوة جوية حقيقية، وضعف الدفاعات الجوية، وتآكل الحلفاء والقدرات النووية». وأضاف: «إنها بمثابة سكين الجيش السويسري؛ تُستخدم للضغط، والدفاع، والعقاب في آنٍ واحد». وتعبير السكين السويسري هنا يشير إلى علبة السكين التي تضم مقصاً وفتاحة ومنشار صغير وسكين.
وفق التقرير، تتعامل القيادة العسكرية الأميركية مع هذه التهديدات بجدّية. فقد أرجأ ترامب في اللحظات الأخيرة خططاً لشنّ هجوم على إيران في منتصف يناير، بعدما اقتنع بأن الولايات المتحدة لا تمتلك قواتٍ كافية في المنطقة لتنفيذ الضربة الحاسمة التي يريدها، مع احتواء الرد الإيراني ومنع التصعيد.
وفي هذا السياق، يعمل البنتاغون على نقل المزيد من أنظمة الدفاع الصاروخي إلى الشرق الأوسط. وقال ترامب يوم الجمعة: «إذا لم يبرموا صفقة، فستكون العواقب قاسية جداً».
واستخدمت إيران خلال العقود الماضية آلاف الصواريخ الباليستية التي طوّرتها عبر نسخ تقنيات روسية وأميركية، في استهداف قواعد جوية، ومنشآت طاقة، ومحطات تحلية مياه، ومدن في المنطقة. وفي بعض الحالات، قيّدت طهران ردودها، بل وقدّمت إشعارات مسبقة قصيرة بأهدافها، في إشارة إلى أنها لا تسعى إلى حربٍ واسعة.
ويرى محللون أن إيران تراهن على حالة عدم اليقين بشأن مدى نجاح الصواريخ في إصابة أهدافها هذه المرّة، بوصفها وسيلة ردع تحول دون مواجهة عسكرية جديدة.
