537 يوماً في القطب الجنوبي.. كيف عاش 25 شخصاً أطول عزلة في أبرد بقاع الأرض؟

لم تكن جائحة كورونا بالنسبة إلى ديفيد نوف مجرد فترة إغلاق واضطرار إلى البقاء في المنزل، بل تحولت إلى تجربة استثنائية امتدت لأكثر من 500 يوم في واحدة من أبعد بقاع العالم وأكثرها عزلة، حيث وجد نفسه مع فريق يضم 24 شخصاً عالقين في محطة أبحاث بالقارة القطبية الجنوبية، بعدما توقفت الرحلات الجوية والسفن التي كان من المفترض أن تعيدهم إلى بلادهم.

بدأت القصة في أكتوبر 2019، عندما وصل نوف، قائد بعثة في البرنامج الأسترالي لأبحاث القطب الجنوبي، إلى محطة ديفيس ضمن رحلة علمية كان من المقرر أن تستمر عاماً واحداً. لكن تفشي فيروس كورونا وتعطل حركة السفر الدولية قلبا الخطة رأساً على عقب، لتمتد إقامته مع فريقه إلى 537 يوماً، قبل أن يعودوا إلى أستراليا في أبريل 2021.

وفي مقابلة مع موقع «IFLScience»، استعاد نوف تفاصيل تلك التجربة، التي تحولت من مهمة بحثية في بيئة شديدة القسوة إلى اختبار طويل للقدرة على التكيف وإدارة الحياة اليومية بعيداً عن العالم وفق iflscience.

مكالمة واحدة غيرت موعد العودة

كان الفريق يدرك أن الجائحة أثرت في حركة الطيران والشحن، لكنه ظل يتوقع العودة إلى الوطن في الموعد المحدد. إلى أن تلقى في 23 يونيو 2020 اتصالاً أبلغه بأن السفينة والرحلات الجوية لن تكون متاحة في الوقت المناسب، وأن الخيار الأكثر أماناً هو بقاؤهم في المحطة إلى أجل غير محدد، لحين إيجاد وسيلة لإعادتهم.

ورغم طول فترة العزلة، لم يكن انتشار الفيروس مصدر القلق الأكبر بالنسبة إليهم، فالقارة القطبية الجنوبية شاسعة، ومحطاتها البحثية متباعدة للغاية. كما أن إجراءات العزل الصحي كانت جزءاً أساسياً من العمل في هذه المناطق حتى قبل الجائحة، لمنع انتقال الأمراض إلى المجتمعات الصغيرة والمعزولة.

وكان الوصول إلى المحطة يستغرق نحو أسبوعين بحراً، ما يوفر فترة عزل طبيعية للقادمين قبل اختلاطهم ببقية أفراد الفريق.

كيف أمضوا 537 يوماً؟

لم يكن التحدي مقتصراً على البقاء في مكان بعيد، بل شمل الحفاظ على التوازن النفسي والاجتماعي خلال فترة لم يكن أحد يعرف نهايتها. وكان الإنترنت متاحاً للفريق، لكنه لم يكن مستقراً بالجودة المعروفة حالياً، ما جعل متابعة الأخبار والتواصل مع العائلات أمراً متقطعاً.

كما واجه أفراد البعثة صعوبة في تكوين صورة واضحة عما يحدث في العالم، بسبب اختلاف تجارب عائلاتهم وأصدقائهم في أستراليا ونيوزيلندا؛ فبينما كان بعضهم يعيش إغلاقات صارمة، استمرت الحياة بصورة شبه طبيعية في مناطق ريفية أخرى.

وللتعامل مع العزلة، اعتمد الفريق على أنشطة جماعية تساعدهم على كسر الروتين، مثل خبز العجين المخمر، وإعداد مشروب الكومبوتشا، والمشاركة في أعمال المطبخ، إلى جانب الألعاب الجماعية والأنشطة الترفيهية والمحاضرات.

وأوضح نوف أن العمل اليومي في المحطة يصبح مع مرور الوقت روتينياً، ويؤديه أفراد الفريق بكفاءة عالية، ما يدفعهم إلى البحث عن أنشطة أخرى تحفز عقولهم وتحافظ على إبداعهم.

وأشار إلى أن من أجمل جوانب الحياة في المحطات القطبية اضطرار الجميع إلى الاجتماع واللعب معاً، سواء باستخدام ألعاب الورق أو «مونوبولي»، بدلاً من الانعزال أمام الهواتف ومتابعة الأخبار السلبية.

الطقس يحدد تفاصيل الحياة

ساعدت خبرة نوف السابقة في الجيش الأسترالي والعمل الدبلوماسي في مناطق النزاع على التعامل مع ظروف الإقامة الطويلة والضغوط غير المتوقعة. لكنه أكد أن العمل في القارة القطبية الجنوبية يتطلب أسلوباً خاصاً في التخطيط، لأن الطقس هو العامل الذي يحدد ما يمكن إنجازه يومياً.

وأوضح أن الفريق يبدأ يومه بمتابعة دقيقة للأحوال الجوية، قبل تحديد المهام والأنشطة، إذ تشهد المنطقة رياحاً شديدة تتجاوز سرعتها 100 كيلومتر في الساعة بصورة متكررة، ما يجعل تنفيذ الخطط مرتبطاً بالظروف الفعلية.

وبحسب نوف، فإن محاولة فرض جدول زمني ثابت دون مراعاة طبيعة المكان والطقس تؤدي إلى إهدار الوقت، لذلك يتعين على العاملين في هذه البيئات التكيف مع الظروف بدلاً من محاولة إخضاعها لخططهم.

العودة إلى العالم لم تكن سهلة

بعد مغادرة أستراليا في أكتوبر 2019، عاد نوف وفريقه في أبريل 2021، ليجدوا أنفسهم ينتقلون مباشرة من عالم ما قبل الجائحة إلى واقع مختلف تماماً، تهيمن عليه القيود والإجراءات الصحية.

وقال إن العودة إلى المطارات والمدن كانت تجربة مربكة، إذ لم يكن معتاداً على إجراءات تسجيل الدخول والتطبيقات المستخدمة خلال الجائحة، كما احتاج إلى فترة من الهدوء والابتعاد عن الآخرين بعد انتهاء الرحلة، رغم توقعات المحيطين به أن يرغب في الاحتفال بالعودة.

وأضاف أنه لم يكن يرغب في رؤية أحد أو القيام بأي نشاط، بل أراد البقاء في المنزل والراحة لنحو أسبوع، بعد تجربة استمرت قرابة 18 شهراً بعيداً عن الحياة المعتادة.

رسالة من أبعد بقاع الأرض

وبعيداً عن تفاصيل العزلة، يرى نوف أن زيارة القارة القطبية الجنوبية أو القطب الشمالي تمنح الإنسان منظوراً مختلفاً عن كوكب الأرض، وتساعده على فهم الترابط بين النظم البيئية والحياة البرية، بعيداً عن الحدود السياسية والانقسامات البشرية.

لكنه لفت إلى أن آثار النشاط البشري تصل حتى إلى هذه المناطق النائية، مشيراً إلى رصد جزيئات بلاستيكية دقيقة داخل مستعمرات البطاريق وغيرها من البيئات الطبيعية، وهو ما يعكس اتساع نطاق التلوث.

وتكشف تجربة نوف أن البقاء في القارة القطبية الجنوبية لأكثر من 500 يوم لم يكن مجرد اختبار لتحمل البرد والعزلة، بل تجربة إنسانية أظهرت أهمية العمل الجماعي والمرونة والقدرة على التكيف مع ظروف لا يمكن التحكم فيها، حتى عندما يصبح موعد العودة إلى الوطن مجهولاً.