لانا نسيبة.. بصيرة دبلوماسية ترسم ملامح المستقبل

في الدبلوماسية، لا تتحدد قيمة التأثير بحجم الحضور على المنابر الدولية، بل بالقدرة على تحويل الاختلاف إلى تفاهم، والتفاهم إلى قرار، والقرار إلى أثر إنساني ملموس. وبين تعقيدات السياسة ومتطلبات العمل الجماعي، تتشكل مدرسة دبلوماسية ترى في الحوار وسيلة لصناعة الممكن، لا مجرد أداة لإدارة الأزمات.

يحمل ترشح معالي لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، في أكتوبر 2026، دلالة تتجاوز المسار المهني، ليفتح أفقاً للتأمل في دور الخبرة الدبلوماسية في تجديد العمل متعدد الأطراف، وتعزيز قدرة المنظمة الدولية على الانتقال من صياغة التعهدات إلى تحقيق النتائج.

فقد شغلت نسيبة منصب المندوبة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة بين عامي 2013 و2024، وكانت أول امرأة إماراتية تتولى هذا المنصب، كما تولت منصب مساعدة وزير الخارجية للشؤون السياسية، ثم عُيّنت وزيرة دولة في سبتمبر 2025، قبل التفرغ لملف الترشح الأممي.

وخلال مسيرتها، شغلت منصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، ورئيسة المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وترأست مجلس الأمن مرتين، خلال عضوية الإمارات للفترة 2022–2023، وأسهمت في مسارات إصلاح مجلس الأمن وتنشيط أعمال الجمعية العامة.

وامتد دور نسيبة إلى ملفات إنسانية ودبلوماسية محورية، من بينها دعم اعتماد القرار 2720 بشأن تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة، والقرار 2681 المتعلق بحقوق النساء والفتيات في أفغانستان، إلى جانب الجهود المرتبطة بالتسامح ومنع النزاعات.

وتتجلى خصوصية الترشح في الانتقال من ممارسة الدبلوماسية داخل المؤسسة الأممية إلى طرح رؤية لقيادتها، تقوم على الوقاية من النزاعات، وبناء الثقة، وتعزيز المساءلة، وربط الأداء المؤسسي بنتائجه الفعلية.

وبذلك يصبح ترشح لانا نسيبة مناسبة لإعادة التفكير في جوهر القيادة الدبلوماسية: قيادة لا تكتفي بتقريب وجهات النظر، بل تسعى إلى تحويل مساحات التوافق إلى إمكانات جديدة للسلام والتنمية.

فالدبلوماسية في أعمق معانيها ليست إدارةً لما هو قائم، بل صناعة لما يمكن أن يكون.