فاطمة آل علي.. 25 عاماً من العطاء بلغة الإشارة

فاطمة آل علي
فاطمة آل علي


لم أكن أتوقع أن تستوقفني لغة الأيدي قبل الكلمات خلال زيارتي للإدارة العامة للهوية وشؤون الأجانب بدبي، إذ لفت انتباهي مشهد مجموعة من الموظفين يتبادلون الحديث بلغة الإشارة، في تواصل بدا طبيعياً وعفوياً، تتخلله الابتسامات وحركات الأيدي التي تحمل معاني لا تحتاج إلى أصوات لتصل إلى أصحابها. والأكثر لفتاً للانتباه أن استخدام هذه اللغة لم يكن مقتصراً على موظف أو اثنين، بل كان أكثر من شخص يتحدث بها، وكأنها لغة ثانية تجمع العاملين في المكان.

دفعني الفضول إلى الاقتراب من هذا المشهد، والبحث عن الحكاية وراء تلك الأيدي التي تتحدث، لأكتشف أن الأمر يتجاوز مجرد التواصل مع موظفين من أصحاب الهمم إلى ثقافة مؤسسية تبدأ من أعلى مستويات القيادة، فمعالي الفريق محمد أحمد المري، مدير عام الإدارة العامة للهوية وشؤون الأجانب بدبي، يجيد هو الآخر لغة الإشارة، ويتواصل بها مع الموظفين من الصم، ويشكل داعماً رئيسياً لهم، في رسالة عملية مفادها أن الدمج الحقيقي لا يتحقق فقط بفتح أبواب التوظيف، بل بإزالة الحواجز التي قد تفصل بين الموظفين، وجعل الجميع قادرين على التواصل بلغة واحدة، حتى وإن كانت بلا صوت.

ومن بين هذه الوجوه كانت المواطنة فاطمة سلطان آل علي، التي تحمل في تفاصيل حياتها قصة إنسانية استثنائية، جمعت فيها بين 25 عاماً من العمل، والأمومة لخمسة أبناء، والتحديات التي فرضتها الإعاقة السمعية، والدعم الذي وجدته من أسرتها وقيادتها وزملائها، لتقدم نموذجاً لامرأة لم تسمح للصمت بأن يكون حاجزاً بينها وبين طموحاتها.

من الخجل إلى الثقة

قبل 25 عاماً، وقفت فاطمة على أعتاب تجربة جديدة لم تكن سهلة بالنسبة إليها، فحين تقدمت للعمل في الإدارة العامة كانت تشعر بشيء من الخجل والتردد تجاه دخول الحياة المهنية، ولم تكن تعرف كيف ستتمكن من التأقلم مع بيئة عمل يغلب على موظفيها التواصل بالكلام، لكن مخاوفها بدأت تتلاشى عندما اكتشفت أن الإدارة نفسها تسعى إلى استقطاب أصحاب الهمم، وتحرص على توفير فرص العمل لهم، ومساعدتهم على اكتساب المهارات اللازمة للاندماج في الحياة المهنية.

كان ذلك الاهتمام كافياً لتشجيعها على اتخاذ قرار الالتحاق بالعمل، لتبدأ رحلة لم تكن تتصور أنها ستمتد ربع قرن، وتصبح خلالها جزءاً من منظومة مؤسسية آمنت بقدراتها ومنحتها الثقة للاستمرار والعطاء.

لغة الإشارة

وتستعيد فاطمة بداياتها المهنية، حين كان عدد الموظفين الذين يجيدون لغة الإشارة محدوداً للغاية، وكانت فرص التواصل المباشر مع زملائها أقل مما هي عليه اليوم، لكن المشهد تغير تدريجياً على مدار السنوات، بعدما تبنت الإدارة توجهاً لتأهيل الموظفين وتعليمهم لغة الإشارة، من خلال إلحاقهم بدبلوم متخصص، بما يمكنهم من التواصل مع زملائهم من الصم، ويعزز قدرتهم على التفاعل معهم في مختلف المواقف اليومية.

ولم يكن الموظفون من أصحاب الهمم مجرد مستفيدين من هذه الخطوة، بل شاركوا أيضاً في تعليم زملائهم لغة الإشارة، لتتحول التجربة إلى عملية تعلم متبادل، يتقاسم فيها الجميع مسؤولية بناء بيئة عمل أكثر شمولاً.

وتشير فاطمة إلى أن معظم زملائها اليوم يجيدون استخدام لغة الإشارة في التعامل معها، بعد أن كان عدد من يتقنونها في بداية مسيرتها المهنية قليلاً جداً.

وتعد فاطمة واحدة من سبعة موظفين من الصم يعملون في الإدارة العامة للهوية وشؤون الأجانب بدبي، في تجربة تعكس أهمية إتاحة الفرص الوظيفية لأصحاب الهمم، وتوفير الظروف التي تساعدهم على أداء مهامهم بثقة واستقلالية.

شهادة جامعية


ولم تقف إعاقة الصم والبكم عائقاً أمام طموح فاطمة العلمي، فقد استطاعت استكمال تعليمها الجامعي والحصول على درجة البكالوريوس في علم الاجتماع من جامعة الشارقة.

ويعكس هذا الإنجاز جانباً آخر من شخصيتها، إذ جمعت بين التحصيل الأكاديمي والعمل، واستطاعت أن تبني مسيرة مهنية طويلة، مستندة إلى قدراتها العلمية والشخصية، وإلى الفرص التي أتيحت لها لإثبات كفاءتها.

ولم يكن حصولها على الشهادة الجامعية مجرد إنجاز تعليمي، بل خطوة عززت قدرتها على المشاركة في الحياة المهنية، ورسخت قناعتها بأن أصحاب الهمم قادرون على مواصلة التعليم والعمل وتحقيق طموحاتهم متى توافرت لهم البيئة الداعمة.

وبعيداً عن أروقة العمل، تحمل حياة فاطمة وجهاً إنسانياً لا يقل تأثيراً عن مسيرتها المهنية؛ فهي أم لخمسة أبناء، جميعهم يتمتعون بالسمع والقدرة على الكلام، لكنهم جميعاً تعلموا لغة الإشارة، لتصبح وسيلة أساسية للتواصل مع والدتهم.

ولا تكتمل حكاية فاطمة دون الحديث عن زوجها، الذي يعد هو الآخر من أصحاب الهمم، إذ لديه إعاقة جسدية، لكنه يستطيع السمع والكلام، ورغم ذلك يتواصل مع زوجته بلغة الإشارة.