حذّر الدكتور عمرو الليثي، رئيس اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي، من أن ضعف المحتوى العربي في الفضاء الرقمي، خصوصاً في المجالات العلمية والمعرفية، قد يُوجد فجوة تهدد الحضور المستقبلي للغة العربية في عالم تقوده التكنولوجيا والبيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، داعياً إلى تحرك عربي ودولي مشترك لتحويل جهود حماية اللغة العربية إلى مشروعات رقمية وعلمية قابلة للتنفيذ، تضمن مشاركتها الفاعلة في صناعة المعرفة والتكنولوجيا.
وأكد، خلال كلمته في المؤتمر الدولي الـ12 لصاحبة الجلالة اللغة العربية، الذي تستضيفه دبي، أن مستقبل اللغة العربية لم يعد مرتبطاً بالمحافظة على تراثها وهويتها فحسب، وإنما بمدى قدرتها على مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، مشدداً على ضرورة الانتقال من مرحلة الدفاع عن اللغة إلى مرحلة تمكينها من أدوات المستقبل.
وقال إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المؤسسات العربية والدولية اليوم لم يعد كيف نحافظ على لغتنا العربية فقط، وإنما كيف نضمن لها مكانة مؤثرة في عالم تصنع فيه التكنولوجيا والبيانات ملامح المستقبل، محذراً من أن استمرار القصور في المحتوى الرقمي العربي قد يحدّ من قدرة اللغة على الإسهام في تشكيل الحضارة المقبلة.
3 توصيات
وطرح الليثي 3 توصيات رئيسية لتعزيز حضور اللغة العربية عالمياً، تتصدرها ضرورة تفعيل توصيات وثيقة بيروت الصادرة عام 2012، إلى جانب توصيات المؤتمرات الـ11 السابقة لصاحبة الجلالة اللغة العربية، وتحويلها من مخرجات علمية إلى مبادرات ومشروعات عملية قابلة للتنفيذ، بما يضمن تحقيق أثر ملموس في المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية.
وتركز التوصية الثانية على تسريع رقمنة اللغة العربية وتعزيز تمكينها إعلامياً، من خلال إثراء الفضاء الرقمي بمصادر علمية وثقافية موثوقة، وتطوير قواعد بيانات لغوية عربية تدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما يسهم في تعزيز قدرة العربية على مواكبة التطورات التقنية المتسارعة.
أما التوصية الثالثة، فتتمثل في تعميق الشراكات وتكامل الجهود بين المنظمات العربية والدولية والمؤسسات التعليمية والإعلامية، بما يضمن توحيد المبادرات وتبادل الخبرات وتطوير مشروعات مشتركة تعزز استخدام اللغة العربية في مجالات العلم والثقافة والإعلام والتكنولوجيا.
فجوة رقمية
وشدد الليثي على أن محدودية المحتوى العلمي والمعرفي العربي على المنصات الرقمية تمثل تحدياً يتطلب اهتماماً مؤسسياً واسعاً، لافتاً إلى أن التطور غير المسبوق في تطبيقات الذكاء الاصطناعي يجعل من الضروري توفير مصادر معرفية عربية موثوقة وقواعد بيانات لغوية قادرة على دعم هذه التقنيات.
وأوضح أن ضمان حضور العربية في المستقبل يتطلب تجاوز المبادرات التقليدية المرتبطة بصون التراث إلى العمل على تطوير بنيتها الرقمية، حتى تتمكن من أداء دور فاعل في إنتاج المعرفة ونشرها، بدلاً من الاكتفاء بمواكبة ما تنتجه اللغات الأخرى.
مسؤولية الإعلام
وأكد أن الإعلام أصبح شريكاً أصيلاً في صناعة المعرفة والمحافظة على الهوية اللغوية والثقافية، مشيراً إلى أن مسؤولية النهوض باللغة العربية لم تعد مقتصرة على المجامع اللغوية والجامعات والمؤسسات الأكاديمية، بل أصبحت مسؤولية مشتركة تتطلب مشاركة فاعلة من المؤسسات الإعلامية والمنظمات الإقليمية والدولية.
وأشار إلى أن تعزيز استخدام العربية في الإعلام والتكنولوجيا يمثل أحد المسارات الأساسية لضمان استمرارية حضورها وتأثيرها، خصوصاً في ظل التحولات التي تشهدها وسائل الاتصال والإنتاج الإعلامي الرقمي.
مسؤولية مشتركة
واستعرض الليثي أبرز المحطات التاريخية للعمل العربي والدولي المشترك في خدمة اللغة العربية، وفي مقدمتها وثيقة بيروت لعام 2012، التي شكّلت مرجعية لتعزيز التعاون المؤسسي، إلى جانب اعتماد اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل في الأمم المتحدة عام 1973، وإقرار الثامن عشر من ديسمبر يوماً عالمياً للغة العربية.
وأكد أن هذه المنجزات التاريخية تفرض مسؤولية إضافية على المؤسسات العربية والدولية، تتمثل في ضمان استمرار حضور اللغة العربية في المجالات العلمية والتكنولوجية الحديثة، وعدم الاكتفاء بما تحقق من اعتراف دولي ومكانة ثقافية.
استثمار المستقبل
واختتم الليثي بالتأكيد أن اللغة العربية، التي أسهمت عبر قرون في بناء الحضارة الإنسانية ونشر العلوم والمعرفة، تمتلك من القوة والمرونة ما يؤهلها للمحافظة على مكانتها في العصر الرقمي، شريطة الانتقال من الاعتزاز بتاريخها إلى الاستثمار في مستقبلها.
وشدد على أهمية أن تتحول توصيات المؤتمر إلى برامج عمل وشراكات مؤسسية تسهم في تعزيز حضور العربية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي والبحث العلمي، بما يضمن استمرار دورها لغةً للعلم والمعرفة والإبداع في المستقبل.

