«دبلوماسية الديزل» تعيد ترتيب أوراق الحرب الروسية الأوكرانية


أعلن دونالد ترامب، الأحد، وقفاً فورياً للهجمات المتبادلة على منشآت الطاقة في روسيا وأوكرانيا، مؤكداً موافقة الطرفين. لكن المفاجأة جاءت من كييف، حيث قال الرئيس فولوديمير زيلينسكي إن الإعلان كان جديداً عليه، وإن بلاده مستعدة لقبوله إذا وافقت موسكو. وبين إعلان أمريكي لم تتضح ضماناته، ورد أوكراني يكشف غياب التفاهم النهائي، تقف صفقة ديزل أبرمها ترامب مع فلاديمير بوتين قبل يومين، وأطلقت سلسلة تحولات تجاوزت أسواق الوقود إلى مستقبل القيادة الأوكرانية.
يبدو أن هذه ملامح ما يمكن تسميته «دبلوماسية الديزل»، حيث تتحول أزمة الطاقة إلى أداة للمساومة السياسية، وتصبح المصافي الروسية جزءاً من حسابات الحرب والسلام.
من الديزل إلى العقوبات
بدأت القصة في الأول من أكتوبر، حين اشترط بوتين تخفيف العقوبات لاستئناف تصدير الديزل. والمفارقة أن موسكو نفسها كانت قد قيّدت صادراته منذ يوليو، تحت ضغط أزمة وقود داخلية فاقمتها الضربات الأوكرانية لمصافيها.
وفي التاسع من أكتوبر، أعلن ترامب اتفاقاً لتوريد كميات قد تبلغ نحو 4.8 ملايين طن، وفق جدول مرتبط بقدرات المصافي الروسية. وأصدرت الخزانة الأمريكية الترخيص العام رقم 135، الذي يسمح بمعاملات الديزل الروسي حتى أبريل 2027.
جاء الاستثناء بعد ثلاثة أسابيع من توقيع ترامب قانوناً لتشديد العقوبات على روسيا، وقبل تسعة أيام من الموعد المحدد لتطبيق أحكام رئيسة فيه. ودافع وزير الخزانة سكوت بيسنت عن صلاحيات الإدارة القانونية لإبرام الصفقة، مستنداً إلى سلطة إصدار التراخيص العامة التي أبقاها القانون.
وراء التحول ضغوط اقتصادية أمريكية متصاعدة. فقد بلغ متوسط سعر غالون الديزل نحو 6.28 دولارات، وفق جمعية السيارات الأمريكية «AAA»، بعد اضطراب أسواق الطاقة بفعل الحرب مع إيران، وقبل انتخابات الكونغرس في الثالث من نوفمبر. لكن محللين يشككون في قدرة الصفقة على تحقيق انخفاض مستدام للأسعار.


تغيير الرئيس
الأبعاد السياسية ظهرت سريعاً. فبحسب «أكسيوس»، قرر ترامب إبرام الاتفاق مع موسكو بعدما تجاهل زيلينسكي طلبات أمريكية متكررة بوقف استهداف المصافي الروسية.
وهذه المصافي ليست أهدافاً هامشية. فقد كشف تحقيق لـ«واشنطن بوست»، استناداً إلى صور الأقمار الصناعية وبيانات متخصصة، أن ضربات أوكرانيا طالت ما لا يقل عن ثلثي المصافي الروسية الكبرى بين أبريل وأغسطس، فيما أظهرت بيانات «إس آند بي غلوبال إنرجي» تعطّل نصف طاقة التكرير الروسية بنهاية أغسطس.
وترى كييف في هذه الضربات وسيلة لإضعاف الموارد الاقتصادية التي تموّل الحرب، بينما يعتبر ترامب أنها تسهم في تفاقم أزمة الوقود العالمية.
وحين انتقد زيلينسكي صفقة الديزل، واصفاً إياها بأنها استثمار في استمرار الحرب، صعّد ترامب موقفه. فلم يكتفِ بمطالبته بوقف ضرب المصافي، بل دعاه إلى التوقف بلهجة حادة، ثم أعلن أن أوكرانيا تحتاج إلى رئيس جديد يستطيع إبرام اتفاق مع روسيا.
ورد زيلينسكي بأن اختيار القيادة شأن أوكراني، عارضاً تنظيم انتخابات إذا وافقت موسكو على وقف شامل لإطلاق النار لمدة ستين يوماً. كما أبدى استعداده لوقف الهجمات على المصافي الروسية مقابل وقف استهداف منشآت الطاقة الأوكرانية، بضمانات حقيقية. وبعدها أكد زيلينسكي أن بلاده تدعم وقف إطلاق النار وأنه من المهم أن تدعمه روسيا أيضاً، وقال إن أوكرانيا تنتظر تفاصيل مقترحات وقف إطلاق النار من أمريكا.
في الميدان، كانت الضربات الروسية تصيب أهدافها في مناطق متفرقة في أوكرانيا، فيما استمرت الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى داخل روسيا.
وفي خضم التصعيد، كشف تقرير لـ«كييف إندبندنت» أن موسكو طلبت تخفيف العقوبات خلال محادثات هدنة الطاقة، بما يربط الملفين تفاوضياً دون إثبات أن استثناء الديزل كان ثمناً مباشراً للهدنة.
المفارقة تكمن في أن واشنطن منحت بالفعل استثناءً اقتصادياً يمتد نحو ستة أشهر، ثم أعلنت هدنة قالت أوكرانيا إنها تنتظر تفاصيلها. وبينما تمسكت عواصم أوروبية بمواصلة العقوبات، بقيت شروط التسوية السياسية دون اختراق واضح.
صفقة الديزل فتحت باباً لتغيير أوراق الضغط، لكنها لم تثبت بعد أنها فتحت طريقاً لإنهاء الحرب. فالمكسب الاقتصادي المتاح لموسكو بات محدداً، أما المقابل السياسي الذي تنتظره واشنطن فلا يزال رهناً بمدى صمود هدنة لم تُحسم تفاصيلها.