20 شركة ألمانية تعرض حلول المياه والطاقة
13.5 مليار يورو تجارة و100 طن هيدروجين أخضر
دبي - نورا الأمير
تتجه الشراكة الإماراتية الألمانية، بعد أكثر من 5 عقود على بدء العلاقات بين البلدين، نحو قطاعات باتت ترتبط بصورة مباشرة بأمن الاقتصادات وقدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية، وفي مقدمتها الطاقة وأمن الإمدادات، والمياه، والأمن الغذائي والتكنولوجيا الزراعية، مستفيدة من قاعدة واسعة من العلاقات الاقتصادية والاستثمارية والتكنولوجية التي جعلت دولة الإمارات الشريك الاقتصادي الأهم لألمانيا في منطقة الخليج العربي.
وبدأت العلاقات الدبلوماسية بين دولة الإمارات وجمهورية ألمانيا الاتحادية عام 1972، قبل أن تتوج بإعلان الشراكة الاستراتيجية في عام 2004، لتتسع تدريجياً من التعاون السياسي والاقتصادي التقليدي إلى مجالات الطاقة والصناعة والتكنولوجيا والاستدامة والأمن الغذائي والعلوم المتقدمة. وتجاوز حجم التجارة الثنائية بين البلدين 13.56 مليار يورو خلال عام 2025، فيما ارتفعت واردات ألمانيا من الإمارات بأكثر من 50% خلال العام نفسه، وتضم السوق الإماراتية أكثر من 2000 شركة ألمانية تتخذ من الدولة مركزاً إقليمياً لخدمة أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
واكتسبت العلاقات زخماً إضافياً خلال عام 2026، مع استمرار الزيارات والاتصالات الرسمية بين قيادتي ومسؤولي البلدين.
ويعد قطاع الطاقة أحد أكثر مجالات التعاون الإماراتي الألماني تطوراً، إذ تجاوزت العلاقة فيه مفهوم التجارة التقليدية في النفط والغاز لتشمل أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمداد والطاقة النظيفة وتخزين الكهرباء والهيدروجين والوقود منخفض الانبعاثات وإدارة الكربون.
شمولية
وفي عام 2017، دخل التعاون في مجال الطاقة مرحلة مؤسسية جديدة مع إطلاق الشراكة الإماراتية الألمانية للطاقة، قبل أن تتوسع مجالات العمل المشترك لاحقاً لتشمل الهيدروجين والتحول في الطاقة والعمل المناخي. وفي عام 2019 اتفق البلدان على العمل باتجاه شراكة استراتيجية أكثر شمولاً تضم، إلى جانب السياسة والاقتصاد، الطاقة والبيئة والتغير المناخي ومجالات أخرى ذات صلة بالتنمية المستدامة.
وجاء عام 2022 ليمنح مفهوم أمن الطاقة بعداً أكثر وضوحاً، عندما شهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والمستشار الألماني آنذاك أولاف شولتس، توقيع اتفاقية استراتيجية لتسريع أمن الطاقة والنمو الصناعي، تستهدف تسريع تنفيذ المشاريع ذات الاهتمام المشترك في أمن الطاقة وخفض الانبعاثات والعمل المناخي.
وتحول هذا التعاون إلى خطوات عملية على مستوى سلاسل الإمداد، إذ أعلنت «أدنوك» في الأول من سبتمبر 2022 تصدير أول شحنة تجريبية من الأمونيا منخفضة الكربون من الإمارات إلى ألمانيا، متجهة إلى هامبورغ، وذلك ضمن سلسلة من الشحنات التجريبية التي استهدفت توسيع الشراكة الاستراتيجية في مجال الطاقة لتشمل سلسلة قيمة الهيدروجين.
واستمر أمن الطاقة في صدارة مباحثات البلدين خلال عام 2026، إذ كشفت وزارة الخارجية في يوليو الماضي أن الاجتماعات التي عقدها وفد إماراتي خلال زيارة عمل رسمية إلى ألمانيا تناولت بصورة مباشرة أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمداد والطاقة النظيفة وتخزين الطاقة بالبطاريات والوقود منخفض الانبعاثات والهيدروجين وإدارة الكربون وتجارة الطاقة.
وعكست المباحثات أهمية التعاون بين الإمارات وألمانيا في دعم منظومات طاقة أكثر مرونة وتنوعاً واستعداداً للمستقبل، بالتزامن مع توسيع التجارة والاستثمار وتعميق التعاون الصناعي والبحث والتطوير وبناء الشراكات بين الشركات والمؤسسات في البلدين.
ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة في ظل امتلاك الإمارات قدرات واسعة في قطاع الطاقة التقليدية إلى جانب استثمارات متسارعة في مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة والهيدروجين، مقابل قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة في ألمانيا تحتاج إلى إمدادات مستقرة وموثوقة من الطاقة.
الهيدروجين الأخضر
ويمثل مشروع «الهيدروجين الأخضر» التابع لهيئة كهرباء ومياه دبي أحد النماذج العملية البارزة للتعاون التكنولوجي بين الإمارات وألمانيا في مجال الطاقة المستقبلية، إذ نفذته الهيئة بالتعاون مع «إكسبو 2020 دبي» وشركة «سيمنس للطاقة». ويعد المشروع الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لإنتاج الهيدروجين باستخدام الطاقة الشمسية، وينتج نحو 20 كيلوغراماً من الهيدروجين الأخضر في الساعة، في حين يستطيع خزان غاز الهيدروجين تخزين ما يصل إلى 12 ساعة من الإنتاج المعتمد على الطاقة الشمسية.
ويمكن استخدام الهيدروجين المخزن لإنتاج الكهرباء من خلال محرك يعمل بغاز الهيدروجين بقدرة تبلغ نحو 300 كيلوواط، فيما صممت المحطة لاستيعاب تطبيقات مستقبلية متنوعة للهيدروجين تشمل إنتاج الطاقة والنقل الجوي والبري والبحري والقطاع الصناعي.
وأعلنت هيئة كهرباء ومياه دبي في أغسطس 2025 أن المشروع تجاوز إنتاج 100 طن من الهيدروجين الأخضر منذ إطلاقه في عام 2021، ما يعكس انتقال هذه التكنولوجيا من مرحلة الاختبار إلى بناء خبرة تشغيلية يمكن الاستفادة منها في توسيع استخدامات الهيدروجين مستقبلاً.
المياه في الصدارة
وإلى جانب أمن الطاقة، يتقدم الأمن المائي ليصبح واحداً من المجالات الرئيسية في التعاون الإماراتي الألماني، خصوصاً في ظل التحديات العالمية المرتبطة بندرة المياه وتغير المناخ والنمو السكاني وارتفاع الطلب على الموارد، وأكدت وزارة الخارجية أن تقنيات المياه والبنية التحتية المستدامة شكلت محوراً رئيسياً في المباحثات التي جرت خلال زيارة العمل الرسمية إلى ألمانيا في يوليو 2026، حيث ناقش الجانبان فرص تعزيز التعاون في إدارة الموارد المائية والخدمات اللوجستية الذكية والابتكار المدعوم بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب دور الإمارات بوصفها منصة لنشر وتطبيق تقنيات المياه المتقدمة إقليمياً.
وتزامنت هذه التحركات مع تصاعد الاهتمام الإماراتي بملف مرونة المياه عالمياً، ففي يوليو 2026، ترأس عبدالله بالعلاء، مساعد وزير الخارجية لشؤون الطاقة والاستدامة، وفد الدولة المشارك في مؤتمر هامبورغ للاستدامة، في إطار جهود الإمارات لتعزيز التعاون الدولي في مجالات مرونة المياه والتنمية المستدامة والتحضير لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026.
وسلطت الإمارات خلال المؤتمر الضوء على العلاقة المباشرة بين المياه والاستقرار الاقتصادي، وعلى التداعيات الاقتصادية والمالية المتزايدة للمخاطر المرتبطة بالمياه، مؤكدة أهمية بناء القدرة على الصمود عبر سياسات فاعلة وتمويل مبتكر وشراكات تجمع الحكومات والمؤسسات المالية ومؤسسات التنمية والقطاع الخاص.
وتكتسب هذه الجهود أهمية إضافية مع استعداد دولة الإمارات لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 في أبوظبي بالشراكة مع السنغال خلال الفترة من 8 إلى 10 ديسمبر، وهو ما يضع ملف المياه في صميم تحركات الدولة الدولية خلال المرحلة الحالية.
حلول
وتظهر طبيعة التعاون التكنولوجي بين البلدين بصورة واضحة في معرض تكنولوجيا المياه والطاقة والبيئة «ويتيكس» الذي تنظمه هيئة كهرباء ومياه دبي سنوياً، والذي تحول إلى منصة تجمع الشركات الإماراتية والدولية العاملة في قطاعات الطاقة والمياه والاستدامة.
وفي دورة 2025، استضاف الجناح الألماني في «ويتيكس» 20 شركة ألمانية عرضت حلولاً وتقنيات تستهدف رفع كفاءة المياه والطاقة وتعزيز التحول الرقمي، في مؤشر عملي على حضور الشركات الألمانية داخل منظومة الاستدامة الإماراتية، وشملت التقنيات الألمانية المعروضة أنظمة معالجة المياه ومياه الصرف الصحي، ومحطات وحلول إزالة الكربون، والأغشية الأنبوبية فائقة الترشيح والمرشحات الغشائية الخزفية، وحلول الامتصاص بالكربون النشط ومحطات معالجة المياه.
الأمن الغذائي
وفي موازاة الطاقة والمياه، يبرز الأمن الغذائي والتكنولوجيا الزراعية كمسار واعد يمكن أن يشهد توسعاً أكبر في التعاون بين البلدين، خصوصاً مع تقاطع الخبرة الألمانية في التكنولوجيا والهندسة والأتمتة مع توجه الإمارات إلى تطوير أنظمة زراعية أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والبيانات وكفاءة استخدام الموارد.
وفي مارس 2026، بحث سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، خلال زيارة عمل إلى برلين، مع وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، فرص تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين في قطاعات الاقتصاد والاستثمار والتجارة والصناعة، إلى جانب الطاقة المتجددة والأمن الغذائي والعلوم والتكنولوجيا المتقدمة.
وأكد سمو الشيخ عبدالله بن زايد حرص البلدين على توسيع مجالات التعاون المشترك، خصوصاً في القطاعات الحيوية التي تدعم التنمية الشاملة والازدهار الاقتصادي المستدام، وهو ما يضع الأمن الغذائي والتكنولوجيا ضمن مجالات النمو المباشر للشراكة.
وسبقت ذلك مباحثات عقدها معالي عبدالله بن طوق المري، وزير الاقتصاد والسياحة، مع كاترينا رايشه، وزيرة الشؤون الاقتصادية والطاقة الألمانية، في مدينة إكسبو دبي في نوفمبر 2025، تناولت بصورة صريحة فرص تنمية التعاون في الزراعة والغذاء والأمن الغذائي والتكنولوجيا، إلى جانب الاقتصاد الجديد والسياحة وريادة الأعمال والنقل.
واستعرض بن طوق خلال اللقاء رؤية وزارة الاقتصاد والسياحة لتطوير «التجمع الاقتصادي للغذاء»، الذي يربط الإنتاج الزراعي بالصناعات الغذائية والتكنولوجيا الزراعية الحديثة في منظومة اقتصادية واحدة، بما يفتح مجالاً أمام الشركات الألمانية للاستفادة من فرص الاستثمار ونقل الخبرات والحلول التقنية إلى السوق الإماراتية.
ويأتي هذا التوجه منسجماً مع سياسة الإمارات القائمة على توظيف التكنولوجيا في تعزيز الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، إذ تنظر الدولة إلى التكنولوجيا الزراعية باعتبارها قطاعاً اقتصادياً مستقبلياً قادراً على رفع إنتاجية المحاصيل وتقليل الاعتماد على الموارد الطبيعية وتحسين كفاءة سلاسل القيمة الغذائية.
وفي يونيو الماضي، أكدت وزارة التغير المناخي والبيئة أهمية التعاون وتبادل المعرفة في التكنولوجيا الزراعية لمعالجة العلاقة المترابطة بين الأمن الغذائي واستدامة المياه، في ظل توجه الدولة نحو التوسع في تقنيات الزراعة الذكية مناخياً والحلول التي ترفع كفاءة استخدام الموارد.
ويشكل ذلك مساحة طبيعية لتوسيع التعاون الإماراتي الألماني مستقبلاً في الزراعة الذكية وأنظمة الري وإدارة المياه الزراعية والزراعة الدقيقة والأتمتة والحلول الرقمية وتحليل البيانات، انطلاقاً من المباحثات الرسمية القائمة بالفعل حول الزراعة والغذاء والتكنولوجيا، ومن امتلاك البلدين قدرات متكاملة في الاستثمار والبحث والتطوير والهندسة والتطبيقات الزراعية الحديثة.
وتوفر القاعدة الاقتصادية الواسعة بين البلدين، المتمثلة في تجارة تتجاوز 13.56 مليار يورو، ونحو 2000 شركة ألمانية تعمل في السوق الإماراتية، أرضية يمكن البناء عليها لتوسيع المشاريع المشتركة في الهيدروجين والطاقة النظيفة وتخزين الكهرباء وتقنيات المياه والبنية التحتية الذكية والتكنولوجيا الزراعية.
ومع استمرار اللقاءات الرسمية والاقتصادية، يتجه البلدان إلى تحويل الشراكة الاستراتيجية الممتدة منذ أكثر من عقدين إلى تعاون أكثر ارتباطاً بالاحتياجات المستقبلية، مستفيدين من موقع الإمارات كمركز للاستثمار والتجارة والتكنولوجيا ومن القدرات الصناعية والبحثية الألمانية، بما يدعم بناء منظومات أكثر أمناً ومرونة في الطاقة والمياه والغذاء، ويمنح الشراكة بين البلدين بعداً يتجاوز المصالح الاقتصادية الآنية إلى التعامل المشترك مع أبرز تحديات العقود المقبلة.
الإمارات وألمانيا.. شراكة تتقدم نحو منظومة أكثر أمناً للطاقة والمياه

