دول الخليج ترسم حدود الاستقلال الاستراتيجي


الأزمات الكبرى لا تغير موازين القوى دائماً، لكنها تكشف حقيقتها.. وما جرى في الخليج خلال الأشهر الماضية فعل الأمرين معاً: اختبر قدرة الدولة الوطنية، ووضع منظومة الأمن الإقليمي أمام مراجعة لا تحتمل التأجيل.. وفي قلب هذه المراجعة يقف مضيق هرمز.. فالأزمة حول المضيق تجاوزت منذ بدايتها مسألة حرية الملاحة إلى سؤال أكثر حساسية: من يملك القدرة الفعلية على حماية انسياب الطاقة والتجارة في واحد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم؟ هنا ظهرت الفجوة بين الأهمية الدولية للخليج وبين مستوى الاستجابة الدولية عندما تعرض أمنه للاختبار.. وهذه فجوة سياسية ينبغي ألا تمر بلا قراءة.

على مدى عقود، استندت هندسة الأمن الخليجي إلى توازن دقيق بين القدرات الوطنية والمظلة الاستراتيجية التي توفرها الشراكات الدولية. الأزمة الأخيرة لم تُسقط قيمة هذه الشراكات، لكنها أعادت تحديد وظيفتها. فالشريك يضاعف القوة الوطنية، ولا يصنعها نيابة عنها. والضمان الخارجي يبقى أكثر صدقية عندما تقف خلفه دولة تمتلك القدرة على حماية مصالحها وامتصاص الصدمة والاستمرار بعدها، من هنا تكتسب الاستقلالية الاستراتيجية الإماراتية معناها الحقيقي.

إنها ليست حياداً بين القوى، ولا انسحاباً من التحالفات، وإنما بناء فائض من الخيارات يمنع تحول الاعتماد المتبادل إلى نقطة ضعف. وفي الحسابات الاستراتيجية، لا تبدأ السيادة عند الحدود فقط؛ تبدأ من قدرة الدولة على إبقاء قرارها الاقتصادي والسياسي خارج نطاق الابتزاز.. لهذا ينبغي قراءة التحرك الإماراتي لتعزيز الموانئ على الساحل الشرقي، وتوسيع شبكات الأنابيب والسكك الحديدية والممرات البديلة، ضمن مفهوم أوسع هو تحصين الدولة ضد مخاطر الاختناق الجيوسياسي.. فهرمز سيبقى ممراً حيوياً، لكن الحيوية شيء والارتهان شيء آخر.

أثبتت أزمة المضيق أن الممر الذي يحمل جزءاً مهماً من طاقة العالم يمكن أن يتحول، في لحظة تصعيد، إلى نقطة تركّز للمخاطر الاستراتيجية. ومن هنا يصبح توزيع مسارات الطاقة والتجارة جزءاً من عقيدة الأمن الوطني، لأن حرية القرار ترتفع كلما انخفضت قدرة الخصم على تعطيل الوظائف الحيوية للدولة.. وعند هذه النقطة، تتقاطع التجربة الإماراتية مع سؤال خليجي أكبر.

الموقف الخليجي المشترك خلال الأزمة أكد حقيقة أساسية: أمن الخليج غير قابل للتجزئة. الصاروخ لا يعترف بالتباينات السياسية، وتعطيل هرمز لا يختار اقتصاداً خليجياً دون آخر، واضطراب أسواق الطاقة يضع الجميع أمام الكلفة نفسها وإن تفاوتت درجاتها.. لكن اللحظة الراهنة تحتاج إلى الانتقال من وحدة الموقف إلى وحدة التصور الاستراتيجي.. فالردع الجماعي لا يُبنى على تشخيص مشترك للتهديد وحده، وإنما على تكامل الدفاع، وأمن بحري مشترك، وربط البنية التحتية، وتعدد مسارات التصدير، وتنسيق إدارة الأزمات، وقدرة سياسية تجعل الاعتداء على أي دولة خليجية مواجهة مع منظومة مصالح متكاملة.. وهنا يكمن التحول الذي يمكن أن تصنعه الأزمة: الانتقال من التضامن الخليجي عند الخطر إلى إنتاج القوة الخليجية قبل الخطر.

وفي العلاقة مع إيران، يحتاج التفكير السياسي إلى قدر مماثل من الواقعية.. إيران حقيقة جغرافية واستراتيجية دائمة في الخليج. لا يمكن بناء نظام إقليمي مستقر بتجاهلها، كما لا يمكن بناء الثقة معها تحت وطأة القوة.. لذلك فإن المعادلة الأكثر نضجاً ليست الاختيار بين المواجهة والحوار، وإنما بناء ردع قابل للتصديق وحوار قابل للاستمرار.

الردع يمنع إساءة قراءة ضبط النفس، والحوار يمنع الردع من التحول إلى ديناميكية صراع مفتوح.. أما الثقة، فقد أصبحت المسألة الأصعب. العلاقات الدبلوماسية يمكن ترميمها، والمصالح الاقتصادية يمكن إعادة وصلها، لكن الثقة الاستراتيجية تحتاج إلى أدلة سلوكية متراكمة. وفي العلاقات الدولية، هناك فارق كبير بين القدرة على التعايش مع الجار والاطمئنان إلى نواياه.

وفي الجانب الآخر من المشهد، قدم الاقتصاد الإماراتي دلالة سياسية لا تقل أهمية عن الأداء الأمني. نمو التجارة الخارجية غير النفطية بنسبة 13% خلال النصف الأول، في بيئة أمنية استثنائية، يكشف عن قدرة الدولة على فصل الصدمة الجيوسياسية عن وظائفها الاقتصادية الأساسية.

هذه هي المرونة حين تتحول من مفهوم اقتصادي إلى عنصر من عناصر الردع.. فالخصم يعيد حساباته عندما يعرف أن الضغط لن يشل الاقتصاد، وأن تهديد الممر لن يعزل الدولة، وأن استهداف البنية التحتية لن يوقف مشروعها. القدرة على الاستمرار هنا قوة سياسية بحد ذاتها.. وهذا يفسر أيضاً انتقال الإمارات من اقتصاد الطاقة إلى اقتصاد القوة الشاملة: طاقة تقليدية ومتجددة، بنية رقمية، ذكاء اصطناعي، رأس مال، لوجستيات وموقع قادر على وصل الأسواق.

المنافسة المقبلة لن تكون فقط على من ينتج البرميل، وإنما على من يمتلك الطاقة التي تشغل الخوارزمية، والبيانات التي تغذيها، والبنية التي تحميها، والثقة التي تجذب رأس المال إليها.. تلك هي الجغرافيا السياسية الجديدة للخليج.

لقد وضعت أزمة هرمز المنطقة أمام حقيقة يصعب تجاوزها: أهميتها للعالم لا تمنحها تلقائياً الحماية التي تتناسب مع هذه الأهمية.. ومن هنا يبدأ التفكير الخليجي الأكثر نضجاً. أن تبقى الشراكات قوية، من دون أن تتحول إلى اتكالية. أن يبقى الحوار مفتوحاً، من دون أن يصبح بديلاً عن الردع. وأن يبقى هرمز مفتوحاً أمام العالم، فيما يبني الخليج لنفسه من البدائل ما يمنع أي طرف من تحويل الجغرافيا إلى حق نقض على مستقبله.. وهذه، في جوهرها، هي المعركة الاستراتيجية التي بدأت بعد هرمز.