العلاقات الإماراتية الألمانية.. 5 عقود أسست شراكة تكاملية



---
---


---
---


بين إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1972، والشراكة الواسعة التي تجمع دولة الإمارات وجمهورية ألمانيا الاتحادية في 2026، مسار يمتد 54 عاماً، تغيرت خلاله طبيعة العلاقة، واتسعت دوائرها، من التمثيل الدبلوماسي والتعاون الاقتصادي، إلى شراكة استراتيجية، تشمل اليوم السياسة والتجارة والاستثمار والطاقة والمناخ والصناعة المتقدمة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب التعليم والثقافة والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية.
ولم تصل العلاقات إلى هذا المستوى بقفزة واحدة، أو نتيجة ظرف سياسي أو اقتصادي عابر. فالعقود الثلاثة الأولى أرست الأساس وبنت الثقة، ثم نقل إعلان الشراكة الاستراتيجية عام 2004 العلاقة إلى مستوى جديد، قبل أن تبدأ منذ 2019 مرحلة أكثر شمولاً، وتتسارع خلال السنوات التالية نحو قطاعات المستقبل، وصولاً إلى 2026، حيث تتقاطع نقاط القوة والمصالح لدى البلدين في نطاق أوسع من أي وقت مضى.
وتعود العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى عام 1972، واتسمت منذ بدايتها بالتعاون والاحترام المتبادل، وأتاحت فرصاً للتنسيق المشترك في مختلف المجالات، قبل أن تتمخض عن إعلان الشراكة الاستراتيجية في أبريل 2004.


1972 - 2004.. ثلاثة عقود لبناء الأساس

شكلت العقود الثلاثة الأولى مرحلة تأسيس القاعدة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية للعلاقة. فبعد إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1972، بدأ التمثيل الدبلوماسي الإماراتي في ألمانيا عام 1976 بافتتاح أول سفارة للدولة في بون، قبل انتقالها لاحقاً إلى برلين، بعد إعادة توحيد ألمانيا، فيما اتسع الحضور الدبلوماسي بافتتاح القنصلية العامة في ميونيخ في أغسطس 1997، لتشكل هذه المحطات جزءاً من التطور المتواصل للعلاقات الثنائية.
وإلى جانب بناء التمثيل الدبلوماسي، بدأت العلاقات مبكراً تتحرك على أعلى مستوى سياسي. ففي 30 أبريل 1981، عقد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في أبوظبي، جلسة مباحثات موسعة مع المستشار الألماني في ذلك الحين هيلموت شميت، تناولت تعزيز العلاقات الثنائية والتطورات في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج.
وفي 1986، انتقل التواصل إلى ألمانيا الغربية، حيث زار المغفور له الشيخ زايد بون، واستقبله الرئيس حينذاك ريتشارد فون فايتسكر في قصر هامرشميدت، وعقدا جلسة مباحثات مطولة، أعقبتها مباحثات بين المغفور له الشيخ زايد والمستشار الألماني وقتها هيلموت كول. ووضعت تلك المباحثات أساساً قوياً للعلاقات الاستراتيجية والشراكة السياسية والاقتصادية بين البلدين، التي توجت لاحقاً بالشراكة الاستراتيجية في 2004.
وعاد التواصل على مستوى القيادة إلى الواجهة قبيل إطلاق الشراكة بأشهر، عندما زار المستشار الألماني في ذلك الوقت غيرهارد شرودر أبوظبي في أكتوبر 2003، والتقى المغفور له الشيخ زايد. وقال السفير الألماني لدى الدولة لاحقاً لوكالة أنباء الإمارات، إن زيارة شرودر كانت الأولى لمستشار ألماني منذ 1981، مشيداً بالدور الذي اضطلع به الشيخ زايد في وضع أسس العلاقات القوية بين البلدين.
ولم يكن إطلاق الشراكة الاستراتيجية في أبريل 2004 منفصلاً عن هذا المسار. فقد أكد شرودر نفسه لاحقاً، خلال اجتماع لجمعية الصداقة الإماراتية الألمانية في أبوظبي عام 2008، أن الشراكة الاستراتيجية بين البلدين تأسست مع المغفور له الشيخ زايد، فيما أعطت زيارة سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان إلى ألمانيا في أبريل 2004، دفعة جديدة للعلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، ومهدت لإطلاق إطار الشراكة رسمياً.
وهكذا لم يكن إعلان الشراكة الاستراتيجية في أبريل 2004 بداية للعلاقة، بقدر ما كان حصيلة أكثر من ثلاثة عقود من بناء الثقة والتواصل السياسي والاقتصادي، وانتقالاً بالعلاقات من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الشراكة المؤسسية الواسعة.
وقد لخص صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، هذا المسار لاحقاً خلال زيارته برلين عام 2014، عندما وصف اتفاقية الشراكة الاستراتيجية لعام 2004 بأنها تتويج لمسار طويل من الروابط السياسية والاقتصادية والثقافية المتميزة بين البلدين، ومنطلقاً لعهد جديد في العلاقات.


2004.. من التراكم إلى الشراكة الاستراتيجية


شكل أبريل 2004 أول تحول نوعي كبير، عندما وقعت الإمارات وألمانيا مذكرة لتطوير التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، انطلاقاً من رغبتهما في تعزيز التعاون عبر إقامة شراكة استراتيجية. وامتدت مجالات التعاون إلى النفط والغاز والتكنولوجيا والتجارة والاتصالات والنقل والصحة والسياحة والتعليم والتدريب المهني والبحث العلمي والبيئة، ما يكشف أن مفهوم الشراكة منذ البداية تجاوز العلاقات التجارية التقليدية. وسرعان ما ظهر أثر التحول اقتصادياً، إذ ارتفع حجم التجارة غير النفطية بين البلدين، من نحو 2.63 مليار دولار عام 2002، إلى 6.19 مليارات دولار عام 2006، ثم إلى نحو 7.4 مليارات دولار في 2007.
وفي العام نفسه، وتحديداً في شهر فبراير، أكدت المستشارة الألمانية آنذاك أنجيلا ميركل، خلال زيارة إلى أبوظبي، أهمية الإمارات بالنسبة إلى بلادها اقتصادياً، ووصفت الدولة بأنها أهم شريك اقتصادي لألمانيا في العالم العربي.
لكن البناء تجاوز نمو التجارة. ففي 2009 تأسس المجلس الألماني الإماراتي المشترك للصناعة والتجارة، ليضيف قناة مؤسسية دائمة بين مجتمعي الأعمال، كما تطورت المشاورات السياسية المنتظمة بين البلدين.
وهكذا بدأت ملامح المرحلة الجديدة تتضح: اقتصاد متنامٍ في جانب، وبنية مؤسسية وحوار سياسي متزايد في الجانب الآخر.
وتواصلت خلال السنوات التالية الزيارات رفيعة المستوى، بالتوازي مع اتساع التعاون في الاستثمار والطاقة والصناعة والتعليم والثقافة والبحث العلمي والتكنولوجيا، إلى أن أكد سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، في 2017، أن الشراكة التي ترسخت على مدى أكثر من أربعة عقود، أصبحت أكثر شمولاً وحيوية في مختلف المجالات.
وكان ذلك قبل عامين فقط من محطة ستعيد تعريف نطاق الشراكة مرة أخرى.


2019.. نحو شراكة أكثر شمولاً


في 12 يونيو 2019، زار صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان برلين، حيث التقى المستشارة أنجيلا ميركل والرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، لتشكل الزيارة واحدة من أبرز محطات العلاقات خلال العقد الأخير.
وبحسب البيان الإماراتي الألماني المشترك، الصادر خلال الزيارة، اتفق البلدان على العمل نحو الارتقاء بالعلاقة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الأكثر شمولاً، بعدما أنتجت السنوات الخمس عشرة الأولى من الشراكة علاقات سياسية واجتماعية واقتصادية وثيقة، قائمة على الثقة والمصالح المشتركة، والرغبة في ضمان استمرار التنمية والازدهار.
وحدد البيان سبعة مسارات رئيسة للتعاون: السياسة، والاقتصاد، والطاقة، والمساعدات الإنسانية، والثقافة، والتعليم، والبيئة والتغير المناخي. كما أكد التزام البلدين بالأمن والاستقرار والازدهار في منطقتيهما، وتكثيف الحوار والمشاورات السياسية، والعمل متعدد الأطراف والقانون الدولي في التعامل مع التحديات المشتركة.
وكانت القاعدة الاقتصادية قد أصبحت بدورها أكثر رسوخاً، إذ كانت الإمارات في 2019 الشريك التجاري العربي الأول لألمانيا، مستحوذة على نحو 22 % من مجمل التجارة العربية الألمانية، فيما كانت ألمانيا أحد أبرز الشركاء التجاريين الأوروبيين للدولة.
وخلال لقائه الرئيس شتاينماير في برلين في يونيو 2019، أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، حرص الإمارات على تعزيز العلاقات، خصوصاً في المجالات المرتبطة باقتصاد المستقبل والتكنولوجيا والابتكار والبحث العلمي، إلى جانب العمل المشترك من أجل السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
واللافت أن البيان المشترك نفسه كان قد وضع آنذاك الذكاء الاصطناعي ضمن أجندة المستقبل، إذ أكد رغبة البلدين في تبادل الخبرات بشأن استراتيجيتيهما الوطنيتين للذكاء الاصطناعي، ودعم التعاون بين الشركات ومؤسسات البحث، إلى جانب تطوير مجالات الثورة الصناعية الرابعة.


اقتصادان.. ونقاط قوة متكاملة


ظل الاقتصاد أحد أكثر محركات العلاقات ثباتاً، لكن طبيعة العلاقة الاقتصادية نفسها تغيرت.
فألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، تمتلك قاعدة صناعية وهندسية وتكنولوجية متقدمة، فيما رسخت الإمارات موقعها مركزاً عالمياً للتجارة والاستثمار والخدمات واللوجستيات، وطورت اقتصاداً منفتحاً، يربط أسواق الخليج والشرق الأوسط بآسيا وأفريقيا والعالم.
ومع الوقت، أصبحت العلاقة تقوم بدرجة متزايدة على تكامل نقاط القوة، وليس فقط على تبادل السلع.
وتكشف أحدث الأرقام الرسمية حجم ما وصلت إليه العلاقة، إذ تجاوزت التجارة الثنائية 13.56 مليار يورو خلال 2025، وارتفعت واردات ألمانيا من الإمارات بأكثر من 50 % خلال العام نفسه، فيما تعد الإمارات الشريك الاقتصادي الأهم لألمانيا في منطقة الخليج العربي. كما يضم السوق الإماراتي نحو 2000 شركة ألمانية، تتخذ شركات كثيرة منها الدولة مركزاً إقليمياً لخدمة أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
ولا تقتصر دلالة هذه الأرقام على حجم التجارة. ففي 2026، امتدت مجالات التعاون ذات الأولوية إلى الصناعة والطاقة والتصنيع المتقدم وتقنيات المياه والتنقل والبنية التحتية الرقمية والفضاء والابتكار والتقنيات الناشئة، مع دور متزايد للقطاع الخاص في تحويل الشراكة إلى مشاريع عملية.


الطاقة.. من التبادل إلى أمن المستقبل


ويقدم قطاع الطاقة واحداً من أوضح الأمثلة على تحول العلاقة.
فبعد سنوات من التعاون، أطلق البلدان شراكة للطاقة في 2017، قبل توسيعها في 2021 إلى شراكة للطاقة والمناخ، بما عكس تحول الأولويات نحو أمن الإمدادات والطاقة المتجددة والهيدروجين وخفض الانبعاثات.
ثم جاءت أزمة الطاقة العالمية في 2022، لتضع هذا التعاون أمام اختبار عملي، إذ شهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، والمستشار الألماني آنذاك أولاف شولتس، توقيع اتفاقية استراتيجية لتسريع أمن الطاقة والنمو الصناعي، بهدف دفع المشاريع المشتركة في أمن الطاقة، وخفض الانبعاثات والعمل المناخي.
وتُرجم التعاون إلى خطوات عملية، من بينها إمدادات الغاز الطبيعي المسال والأمونيا منخفضة الكربون، بالتوازي مع توسيع التعاون في الهيدروجين والطاقة المتجددة.
وبحلول 2026، كان المسار قد دخل مرحلة أوسع، إذ ترتبط «أدنوك» باتفاقات لشراء 1.6 مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال من مشروع الرويس من جانب شركات ألمانية، إلى جانب الإمدادات القائمة، والتعاون في الطاقة النظيفة وتخزين الطاقة.
ودلالة هذا المسار أكبر من تفاصيل العقود نفسها: العلاقة انتقلت من تجارة الطاقة إلى الشراكة في أمنها ومستقبلها.
من الصناعة إلى الذكاء الاصطناعي
ويمكن رصد التحول نفسه في التكنولوجيا. ففي يوليو 2020، أطلق البلدان فريق العمل الإماراتي الألماني للثورة الصناعية الرابعة، بهدف تعميق التعاون في الصناعة والتكنولوجيا، بمشاركة أكثر من 50 ممثلاً عن شركات وجهات حكومية واقتصادية من البلدين. وربطت المبادرة منذ انطلاقها العمليات والتكنولوجيا الصناعية بالاتصال الرقمي والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، فيما تقرر إنشاء لجنة توجيهية، تجتمع مرتين سنوياً على الأقل لتطوير مجالات التعاون.
لكن هذا المسار كان قد بدأ قبل ذلك، فالبيان المشترك لعام 2019، تحدث صراحة عن التعاون في استراتيجيات الذكاء الاصطناعي، ودعم الروابط بين الشركات ومؤسسات البحث، ما يجعل الذكاء الاصطناعي امتداداً لمسار مدروس داخل الشراكة، وليس عنواناً أضيف إليها أخيراً.
وفي 2026، أصبحت البنية التحتية الرقمية والابتكار والتقنيات الناشئة ضمن القطاعات ذات الأولوية في التعاون، إلى جانب الصناعة المتقدمة والفضاء والتكنولوجيا.
وهنا تظهر مساحة جديدة للتكامل: ألمانيا بما تمتلكه من قاعدة صناعية وعلمية وهندسية، والإمارات بما تبنيه من بنية تحتية رقمية وقدرات استثمارية وطموح متسارع في الذكاء الاصطناعي واقتصاد المستقبل.


2026.. حصيلة 54 عاماً


قدمت زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى أبوظبي في فبراير 2026، صورة مكثفة عن المستوى الذي وصلت إليه العلاقات.
وخلال لقائه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بحث الجانبان مختلف جوانب التعاون والعمل المشترك، وأكد سموه متانة العلاقات والشراكات المثمرة بين البلدين، خصوصاً في الطاقة والابتكار والتكنولوجيا المتقدمة، والحرص على توسيعها بما يخدم المصالح المتبادلة والأولويات التنموية.
أما برلين، فوضعت الزيارة في سياق أوسع، إذ أكدت الحكومة الألمانية أن تعزيز الشراكات الاستراتيجية والعلاقات الثنائية والعمل المشترك من أجل السلام والاستقرار، كانت من محاور جولة ميرتس الخليجية، فيما قال المستشار إن ألمانيا تحتاج إلى مثل هذه الشراكات أكثر من أي وقت مضى، في عالم أصبحت فيه القوى الكبرى تؤثر بصورة متزايدة في السياسة الدولية.
ورافق ميرتس وفد اقتصادي، وشملت زيارته لقاءات مرتبطة بالطاقة والصناعة والاستثمار، بما يعكس الطبيعة متعددة المستويات التي أصبحت عليها العلاقة.


شراكة تتجاوز حسابات الاقتصاد


وإذا كان الاقتصاد قد وفر قاعدة واسعة من المصالح، فإن البعد السياسي نما بالتوازي معه. فالبيان المشترك لعام 2019، لم يكتفِ بتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي، بل أكد تكثيف الحوار والمشاورات السياسية، والتزام البلدين بالأمن والاستقرار والازدهار، وأهمية العمل متعدد الأطراف والقانون الدولي، فضلاً عن التعاون في مكافحة الإرهاب والتطرف.
وفي فبراير 2024، أكد سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، خلال زيارة إلى ألمانيا، أن العلاقات التي بدأت عام 1972، رسخت جسوراً من التعاون الإيجابي والبناء، وأثمرت شراكة استراتيجية شاملة، قائمة على التفاهم والتعاون والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وفي مارس 2026، أكد سموه خلال لقائه وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في برلين، أن العلاقات الاستراتيجية الإماراتية الألمانية تمثل نموذجاً للتعاون البناء، القائم على رؤية مشتركة لدعم الاستقرار وتعزيز الازدهار، فيما تناولت المباحثات الاقتصاد والاستثمار والتجارة والصناعة والطاقة المتجددة والأمن الغذائي والعلوم والتكنولوجيا المتقدمة، إلى جانب القضايا الإقليمية والدولية.


الحرب.. اختبار للشراكة لا تعريف لها


وجاءت حرب إيران لتشكل أحد أحدث اختبارات هذه الشراكة، لا تعريفاً لها. فخلال زيارة وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إلى أبوظبي في مارس 2026، أكدت ألمانيا تضامنها الكامل مع دولة الإمارات، فيما بحث الجانبان التطورات الإقليمية والجهود الدولية لدعم الأمن والاستقرار والحلول الدبلوماسية والحوار البناء.
ومن جانبها، أوضحت وزارة الخارجية الألمانية أن زيارة فاديفول عقب اندلاع الحرب، جاءت تعبيراً عن التضامن مع الإمارات، وأشادت بدور الدولة كشريك موثوق في مساعدة أكثر من 30 ألف سائح ألماني على مغادرة المنطقة خلال الأزمة.
وظهر التقاطع كذلك في ملف أمن الملاحة، إذ كانت الإمارات وألمانيا ضمن الدول الموقعة في مارس على بيان دولي أدان الهجمات الإيرانية على السفن التجارية والمنشآت المدنية والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وطالب بوقف تعطيل الملاحة، مؤكداً أن حرية الملاحة مبدأ أساسي في القانون الدولي.
وهنا تظهر إحدى نتائج أكثر من خمسة عقود من بناء العلاقات: قدرة قنوات الحوار والتنسيق على العمل في الأزمات، وليس في أوقات الاستقرار فقط.


شراكة ثنائية ببعد أوروبي


وتكتسب الشراكة الإماراتية الألمانية أهمية إضافية مع التطور المتسارع في العلاقات بين الإمارات وأوروبا. فألمانيا، باعتبارها أكبر اقتصاد في أوروبا، وأحد أهم شركاء الإمارات في القارة، تمثل ثقلاً أساسياً في هذا المسار، فيما تمنح الإمارات الشركات الألمانية والأوروبية منصة تربطها بأسواق الخليج والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
ويكتسب هذا البعد زخماً إضافياً، مع تقدم العلاقات الاقتصادية بين الإمارات والاتحاد الأوروبي، في وقت أصبح فيه التعاون الإماراتي الألماني ركناً مهماً في العلاقة الاقتصادية الأوسع مع أوروبا. وأطلقت الإمارات والاتحاد الأوروبي في نهاية 2025 مفاوضات اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة، بالتوازي مع مسار تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية، بما يشمل قطاعات المستقبل والتحول الرقمي والبحث والابتكار.
وفي 2026، استمر البحث عن فرص جديدة وغير مستغلة في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا، ما يعكس أن العلاقة، بعد أكثر من خمسة عقود، لا تزال تمتلك مساحة للنمو.


54 عاماً.. ثلاث مراحل صنعت الشراكة


يمكن قراءة مسار العلاقات الإماراتية الألمانية عبر ثلاث مراحل رئيسة: 1972 إلى 2004 لبناء الأساس، و2004 إلى 2019 لترسيخ الشراكة الاستراتيجية ومؤسساتها، ومن 2019 إلى 2026 للانتقال المتسارع نحو شراكة أكثر شمولاً، تتجه إلى قطاعات المستقبل. وخلال هذه الرحلة، انتقلت العلاقة من التمثيل الدبلوماسي والتجارة، إلى شبكة مترابطة من المصالح السياسية والاقتصادية والاستثمارية والتكنولوجية، فيما اتسعت مجالات الالتقاء كلما تغيرت أولويات البلدين والعالم من حولهما.
وفي 2026، تبدو عناصر التكامل أكثر وضوحاً: ألمانيا بثقلها الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي داخل أوروبا، والإمارات بما تمتلكه من اقتصاد منفتح وقدرات استثمارية وموقع استراتيجي ودور سياسي وطموح متسارع في قطاعات المستقبل.
ولذلك، فإن المستوى الذي وصلت إليه العلاقات اليوم لا يمكن تفسيره بزيارة واحدة، أو اتفاق اقتصادي، أو أزمة إقليمية. فما يبدو اليوم شبكة واسعة من المصالح والتنسيق، هو في جوهره نتاج 54 عاماً من البناء المتدرج، والثقة المتراكمة، وتحويل نقاط الالتقاء إلى مؤسسات وشراكات ومصالح عملية.
وبعد أكثر من خمسة عقود، لا يتعامل البلدان مع الشراكة باعتبارها مشروعاً اكتمل، فاستمرار البحث عن إمكانات جديدة في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا يعكس انتقال العلاقة إلى مرحلة أخرى، تتشكل ملامحها مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية التي تعيد رسم العالم.