موسكو وكييف.. حرب تتمدد إلى ما وراء خطوط النار

دبي - محمد العبدولي
لم تعد الحرب بين موسكو وكييف تقف عند حدود الجبهة، بل أخذت تتمدد إلى ما وراء خطوط النار، باحثة عن شرايين القوة والبقاء في عمق كل طرف. فمن سماء تعج بمئات المسيّرات إلى مصافي النفط ومنشآت الطاقة والمستودعات العسكرية، تتسع المواجهة لتصبح حرباً على قدرة الخصم على الاستمرار، لا على الأرض وحدها.
وخلال الساعات الـ 24 الماضية بلغ هذا المسار مستوى جديداً من التصعيد، فموسكو تتوعد بضربات مكثفة على قطاع الطاقة الأوكراني، وكييف تدفع بمسيّراتها نحو العمق الروسي، في حين تستمر معارك الأرض في مشهد تبدو فيه الحرب وكأنها تأكل ظلالها وتبحث عن شرايين خصمها.
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها بدأت الاستعداد لشن «ضربات مكثفة» على منشآت قطاع الطاقة في أوكرانيا، رداً على ما قالت إنها هجمات أوكرانية متواصلة تستهدف البنية التحتية المدنية وقطاعي النفط والطاقة الروسيين.
ويضع التهديد الروسي الطاقة مجدداً في قلب معادلة الحرب، بعدما تعرضت الشبكة الأوكرانية خلال الشتاء الماضي لضربات واسعة ألحقت أضراراً بمحطات ومنشآت حيوية وتسببت في انقطاعات للكهرباء والتدفئة، لكن المواجهة اليوم تبدو أكثر تبادلية، مع تكثيف كييف هجماتها على المنشآت النفطية داخل روسيا.
وبالتزامن، قالت موسكو إنها واصلت ضرب المؤسسات الصناعية العسكرية الأوكرانية، معلنة استهداف مجمع في كييف لإنتاج الأسبستوس والإسمنت، مشيرة إلى أن مستودعاته كانت تستخدم لتخزين متفجرات، إضافة إلى مصنع للمسيّرات والذخائر.
ويأتي ذلك بعد ضربة روسية استهدفت، مساء الجمعة، مستودعاً للذخيرة في منطقة كييف، في هجوم أخذت حصيلته البشرية بالارتفاع تباعاً، إذ أعلنت السلطات الأوكرانية، أمس ، مقتل 27 شخصاً في حصيلة أولية، قبل أن ترفعها لاحقاً إلى 37 قتيلاً، في حين أعلن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أمس، ارتفاع عدد الضحايا إلى 38 قتيلاً، في حين لا يزال البحث جارياً عن 4 مفقودين. ووفق زيلينسكي، استخدمت روسيا خلال أسبوع واحد قرابة 2000 مسيّرة هجومية وأكثر من 1600 قنبلة جوية و31 صاروخاً، من بينها، وفق كييف، صواريخ باليستية كورية شمالية. وتوعد زيلينسكي بردود على الضربات الروسية، مؤكداً أن تلك الردود «ستأتي بالتأكيد».
وتكشف أرقام الطرفين حجم التحول الذي أحدثته المسيّرات في طبيعة المواجهة، فقد أعلنت هيئة الأركان الأوكرانية تسجيل 221 اشتباكاً قتالياً خلال 24 ساعة، وقالت إن القوات الروسية استخدمت 11357 مسيّرة ونفذت 3138 عملية قصف و79 غارة جوية، ألقت خلالها 292 قنبلة موجهة، إضافة إلى إطلاق خمسة صواريخ.


استهداف منشآت
في المقابل، أعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط 804 مسيّرات أوكرانية خلال 24 ساعة، بينها 494 خلال الليل، إلى جانب 14 قنبلة جوية موجهة وخمسة صواريخ «هيمارس». وبين الرقمين تتضح ملامح جبهة جديدة لا ترسمها الخنادق، بل مدى المسيّرات وقدرتها على الوصول إلى أهداف تقع على بعد مئات الكيلومترات من خطوط القتال. وكان أبرز تلك الأهداف مصفاة «كيريشي» النفطية في منطقة لينينغراد الروسية، حيث أعلن حاكم المنطقة، ألكسندر دروزدينكو، أن مسيّرة أوكرانية تسببت في اندلاع حريق تمكنت فرق الطوارئ من إخماده من دون إصابات. وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمصفاة نحو 400 ألف برميل يومياً، ما يمنح الهجوم دلالة تتجاوز أضراره المباشرة. وقالت السلطات الروسية إنها أسقطت 62 مسيّرة فوق المنطقة. وهكذا تبدو الطاقة وكأنها تتحول من وقود للحرب إلى هدف للحرب نفسها، فكييف تحاول نقل تكلفة المواجهة إلى الداخل الروسي عبر استهداف المصافي والمنشآت النفطية، في حين تلوّح موسكو بضرب الشبكة التي تمد المدن والصناعة الأوكرانية بالكهرباء والطاقة.


الأرض لم تغادر المعركة
ورغم انتقال جانب كبير من المواجهة إلى العمق، لم تفقد الجبهات البرية ثقلها، إذ أعلنت وزارة الدفاع الروسية السيطرة على بلدتي «فيليكي بريكول» و«سادكي» في مقاطعة سومي، و«روبيجنوي» و«نوفواندرييفكا» في دونيتسك، كما قالت إن القوات الأوكرانية خسرت نحو 1425 عسكرياً خلال يوم. في المقابل، قالت هيئة الأركان الأوكرانية إن القوات الروسية فقدت نحو 1400 جندي خلال الفترة نفسها، لترفع كييف تقديراتها لإجمالي الخسائر الروسية منذ بداية الحرب إلى نحو 1.486 مليون فرد. وتبقى أرقام الخسائر والتقدم الميداني المعلنة من الطرفين عصية على التحقق المستقل. كما تحدث مسؤول بحثي روسي عن وجود نحو 7 آلاف مقاتل أجنبي من 70 دولة إلى جانب القوات الأوكرانية، غالبيتهم، وفق تقديراته، من أمريكا اللاتينية وأوروبا.
لكن ما يتقدم على ضجيج الأرقام هو التحول في منطق المواجهة نفسها، فبعد سنوات من حرب استنزاف الأرض، يبدو أن الطرفين يبحثان بصورة متزايدة عن نقطة الألم خلف الجبهة: النفط، الكهرباء، المصانع والمستودعات. وهنا تكتسب عبارة «قطع الشرايين» معناها، فالهدف لم يعد فقط دفع الخصم إلى الخلف، بل إنهاكه من الداخل وضرب قدرته على تمويل الحرب وإدامتها. وبين مصفاة تشتعل في العمق الروسي ومنشآت طاقة أوكرانية تنتظر تهديداً جديداً، تدخل الحرب مرحلة يصبح فيها السؤال أكثر قسوة: ليس من يسيطر على الأرض فقط، بل من يستطيع إبقاء شرايينه نابضة وقتاً أطول؟