من "طريق مكة" إلى طواف الوداع.. 2026 حج "التيسير الرقمي والخدمات الذكية"

مع اقتراب ختام موسم حج 1447هـ - 2026، واستعداد الحجاج المتعجلين لمغادرة مشعر منى بعد إتمام رمي الجمرات في ثاني أيام التشريق غداً وقبيل غروب شمس الجمعة، تبدأ المملكة العربية السعودية في المرحلة الأخيرة لواحد من أكبر المواسم الدينية والتنظيمية في العالم، بعد أيام حافلة بالمشاهد الإيمانية والإجراءات التشغيلية المكثفة التي رافقت أكثر من 1.7 مليون حاج وحاجة منذ لحظة وصولهم إلى الأراضي المقدسة وحتى إتمام مناسكهم.

وأعلنت الهيئة العامة للإحصاء في السعودية أن إجمالي أعداد الحجاج هذا العام بلغ 1,707,301 حاج وحاجة، بينهم 1,546,655 قدموا من خارج المملكة عبر المنافذ المختلفة، فيما بلغ عدد حجاج الداخل من المواطنين والمقيمين 160,646 حاجًا وحاجة. كما بلغ عدد الحجاج الذكور 893,396 حاجًا، مقابل 813,905 حاجات.

نظام الحصص

وشهد الموسم استمرار تطبيق نظام الحصص المعتمد منذ عام 1987، والقائم على تخصيص حاج واحد تقريباً لكل ألف مسلم في كل دولة، بهدف تنظيم الأعداد والحد من مخاطر الازدحام والتدافع بما يتناسب مع الطاقة الاستيعابية للمشاعر المقدسة والبنية التحتية للحج.

وكانت طلائع الحجاج من عدة دول قد بدأت الوصول إلى المملكة في 18 أبريل الماضي عبر المنافذ الجوية والبرية والبحرية، وسط منظومة تشغيلية متكاملة شاركت فيها الجهات الأمنية والصحية والخدمية. كما استفاد آلاف الحجاج من مبادرة "طريق مكة" التي سهّلت إجراءات السفر والدخول إلى المملكة قبل مغادرتهم بلدانهم، في إطار التوسع السعودي في الخدمات الرقمية الموجهة لضيوف الرحمن.

أكبر 3 مشاركات

وتصدرت ثلاث دول قائمة أكبر المشاركين في موسم الحج بنسبة 34% وبعدد حجاج بلغ 575 ألف حاج وحاجة بنحو قائمة أعداد الحجاج المشاركين في موسم 2026 وهي إندونيسيا وباكستان والهند على التوالي.

وثبّتت وزارة الحج والعمرة الإندونيسية عدد موسم 1447هـ/2026م عند 221 ألف حاج وحاجة، وهي الكوتا الأكبر بين دول العالم الإسلامي.

وحددت باكستان حصة إجمالية قدرها 179,210 حاجاً وحاجة، توزّعت بين برنامج الحج الحكومي وبرنامج الحج الخاص الذي يديره منظمو مجموعات الحج المعتمدون.

وجاءت الهند في المركز الثالث حيث أعلنت وزارة شؤون الأقليات في الهند بأنه من المتوقع أن يؤدي مناسك الحج المقدسة لعام 2026 ما يزيد عن 175 ألف حاج.

10 دول في "طريق مكة"

وسّعت المملكة العربية السعودية مبادرة "طريق مكة" في موسم حج 1447هـ - 2026م لتشمل 10 دول عبر 17 منفذًا دوليًا، بعد انضمام السنغال وبروناي دار السلام لأول مرة. وتشمل الدول المستفيدة: المغرب، إندونيسيا، ماليزيا، باكستان، بنغلاديش، تركيا، كوت ديفوار، المالديف، السنغال، وبروناي.

تهدف المبادرة إلى إنهاء إجراءات الحجاج من بلد المغادرة، بما في ذلك إصدار التأشيرات، التحقق من الاشتراطات الصحية، أخذ الخصائص الحيوية، ترميز الأمتعة، وإنهاء إجراءات الجوازات، بما يسمح بانتقال الحجاج عند وصولهم إلى المملكة مباشرة إلى الحافلات ثم مقار السكن.

منظومة تشغيلية رقمية

رفعت المملكة هذا العام شعار "التيسير الرقمي والخدمة الذكية"، مع الاعتماد على تطبيقات إلكترونية متطورة، وأنظمة ذكية لإدارة الحشود، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب بطاقة "نسك" الرقمية التي استُخدمت لتنظيم التفويج والتنقل داخل المشاعر المقدسة.

كما استخدمت أنظمة استشعار مرتبطة بالبطاقات الذكية داخل مشعر منى لأول مرة، بهدف مراقبة كثافات الحشود وإدارة الحركة لحظياً، بما ساهم في تحسين الانسيابية وتقليل زمن التنقل بين المواقع الرئيسية للحج.

وشهد الموسم الحالي مشاركة 73 شركة متخصصة في خدمات الحجاج ضمن منظومة تشغيلية مطورة تشمل النقل والإعاشة والإرشاد والخدمات اللوجستية.

من منى إلى عرفات

انطلقت المناسك فعلياًً يوم التروية في الثامن من ذي الحجة الموافق 25 مايو، حين توجّه الحجاج إلى مشعر منى، قبل الوقوف بعرفات في اليوم التالي لأداء الركن الأعظم من الحج.

وشهد جبل الرحمة وصعيد عرفات ملايين الحجاج وهم يرفعون أكف الدعاء في مشهد جسّد وحدة المسلمين بمختلف لغاتهم وأعراقهم وثقافاتهم.

ويُعد يوم عرفة من أعظم أيام الدنيا، فيما تعددت التفسيرات التاريخية واللغوية لسبب تسمية "عرفة"و"عرفات"،  ومن أشهر الروايات أن التسمية جاءت من التعارف، حيث يلتقي المسلمون من أنحاء العالم في صعيد واحد، بينما تربط روايات أخرى الاسم بقصة سيدنا إبراهيم حين كان جبريل يعرّفه مناسك الحج ويقول له "أعرفت"، أو بقصة تعارف آدم وحواء بعد هبوطهما إلى الأرض. كما ربط بعض العلماء الاسم بمعاني الاعتراف والتوبة، حيث يقف الحجاج في هذا اليوم خاشعين بالدعاء والابتهال وطلب المغفرة.

نفرة الحجيج

ومع غروب شمس يوم عرفة بدأت جموع الحجيج النفرة إلى مزدلفة للمبيت وجمع الجمرات، قبل العودة إلى منى يوم النحر لرمي جمرة العقبة الكبرى وذبح الهدي والحلق أو التقصير، ثم التوجه إلى المسجد الحرام لأداء طواف الإفاضة والسعي.

أيام التشريق

وخلال أيام التشريق التي تنتهي بعد غد السبت 30 مايو الجاري، يواصل الحجاج رمي الجمرات الثلاث وسط انسيابية واضحة في الحركة وإدارة الحشود، فيما يبدأ المتعجلون مغادرة منى قبل غروب شمس ثاني أيام التشريق غداً الجمعة، على أن يختتم بقية الحجاج مناسكهم في الثالث عشر من ذي الحجة.

النقل والمنافذ

وأوضحت بيانات الهيئة العامة للإحصاء في السعودية أن: 1,485,729حاجاً وصلوا عبر المنافذ الجوية، و54,429 عبر المنافذ البرية، و6,497 عبر المنافذ البحرية، ما يعكس الدور المحوري للمطارات السعودية في استقبال الحجاج، بالتوازي مع استمرار مساهمة المنافذ البرية والبحرية ضمن الخطط التشغيلية.

خدمات متكاملة

اتسم موسم حج 2026 بتكامل الخدمات الصحية والأمنية واللوجستية، مع تشغيل مستشفيات ميدانية وفرق إسعافية ومنظومات تبريد ورذاذ مائي للتخفيف من درجات الحرارة المرتفعة، إضافة إلى خطط دقيقة لإدارة الحشود داخل الحرم والمشاعر المقدسة.

كما تواصل المملكة تنفيذ مشاريع توسعة وتطوير ضخمة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، الرامية إلى رفع الطاقة الاستيعابية لاستقبال 30 مليون معتمر و5 ملايين حاج سنوياً عبر تطوير البنية التحتية ووسائل النقل والخدمات الصحية والرقمية.