قبل قرون، كان الأطباء في أوروبا والعالم العربي يستخدمون مستحضرات مصنوعة من مواد مستخرجة من المومياوات المصرية، اعتقادا منهم بقدرتها على علاج أمراض مختلفة، من الجروح ومشكلات الجهاز التنفسي إلى الصرع والشلل. ومع انتشار هذا الاعتقاد، تحولت المومياوات إلى سلعة ثمينة، وازدهرت تجارتها إلى حد دفع بعض التجار إلى تزوير المستحضرات باستخدام جثث حديثة مجففة.
واليوم، يعود هذا العلاج المثير للجدل إلى المختبرات العلمية، بعدما كشفت دراسة حديثة أن مستخلصا من مستحضر المومياء التاريخي أظهر تأثيرا محتملا في حماية الخلايا المصابة ببعض فيروسات الإنفلونزا، وإن كانت النتائج لا تثبت فعاليته علاجًا لدى البشر.
مستحضر غامض من عصر المومياوات
عُرف هذا المستحضر باسم «موميا فيرا إيجيبتياكا» (Mumia vera aegyptiaca)، واكتسب شهرة واسعة في الطب خلال العصور الوسطى وبداية العصر الحديث. وكان يُحضّر من مواد مرتبطة بالمومياوات المصرية، ثم يُستخدم في وصفات علاجية متعددة، استنادًا إلى اعتقادات طبية سادت في تلك الفترات.
ورغم رواج المستحضر لقرون، ظل تركيبه الكيميائي الدقيق والمواد المسؤولة عن أي تأثير بيولوجي محتمل غير واضحين.
ولفهم مكوناته، حلل الباحثون 24 عينة محفوظة في مجموعات متحفية وجامعية وصيدلانية، بحثًا عن المركبات التي احتوتها هذه الخلطات التاريخية.
وكشفت التحليلات عن وجود مستقلبات مرتبطة بنبات الألوفيرا في عدد من العينات، وهي نتيجة تشير إلى احتمال استخدام الصبار ضمن بعض المستحضرات المرتبطة بالمومياوات، رغم أن هذه المركبات لم تُسجّل سابقًا في دراسات تحليلية لخلطات التحنيط المصرية القديمة، وفقا لموقع"iflscience".
كما رصد الباحثون حمض «7-أوكسوديهيدروأبييتيك»، وهو مركب يرتبط براتنجات الأشجار الصنوبرية، مثل الصنوبر. وكان هذا المركب من بين المواد التي اشتبه الباحثون سابقًا في احتمال إسهامها في الخصائص العلاجية المنسوبة إلى المستحضر القديم.
اختبار يكشف مفاجأة غير متوقعة
للتحقق من التأثير البيولوجي للمستحضر، اختبر الباحثون مستخلص «موميا فيرا إيجيبتياكا» على خلايا كلوية مأخوذة من الكلاب ومصابة بأربعة أنواع من فيروسات الإنفلونزا.
وأظهرت النتائج أن الخلايا التي عولجت بالمستخلص بقيت على قيد الحياة مدة أطول مقارنة بالخلايا غير المعالجة، مع رصد تأثير ضد سلالات من الإنفلونزا، من بينها H1N1 وH3N2.
لكن المفاجأة ظهرت عندما اختبر الباحثون حمض «7-أوكسوديهيدروأبييتيك» منفردا؛ إذ لم يُظهر التأثير الوقائي نفسه الذي رُصد عند استخدام المستخلص الكامل.
وتشير هذه النتيجة إلى أن المركب الذي اشتُبه في كونه العنصر الفعال قد لا يكون المسؤول عن التأثير الملحوظ، وأن الفاعلية المحتملة ربما ترتبط بمركبات أخرى أقل وفرة، أو بتفاعل مجموعة من المواد الكيميائية الموجودة في المستخلص.
وبذلك، لا تكمن أهمية الدراسة في إعادة إحياء وصفة طبية قديمة فحسب، بل في إثارة سؤال علمي جديد حول هوية المركبات التي قد تكون وراء التأثير المرصود.
هل كان الأطباء القدماء على حق؟
رغم أن النتائج قد تبدو وكأنها تمنح بعض الممارسات الطبية القديمة تفسيرا علميا، فإن الباحثين يشددون على ضرورة الفصل بين ما أظهرته التجارب المخبرية وما يمكن إثباته طبيا.
فالدراسة اختبرت تأثير المستخلص على خلايا مصابة بالفيروسات، ولم تثبت أنه يعالج الإنفلونزا لدى البشر أو يمنع الإصابة بها، كما لا تؤكد أن المستحضر كان فعالا في الاستخدامات الطبية التي نُسبت إليه تاريخيا.
كذلك، لا يزال تحديد المركبات المسؤولة عن التأثير المحتمل خطوة أساسية قبل إمكان تقييم أي استخدام علاجي مستقبلي.
ونُشرت الدراسة في مجلة «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (PNAS)، لتفتح بابا جديدا أمام البحث في التركيب الكيميائي لمستحضرات طبية تاريخية، ومدى احتوائها على مركبات تستحق الدراسة الحديثة.

