توصل علماء إلى تفسير محتمل لأحد الألغاز القديمة في تطور الحياة على الأرض: لماذا يعتمد الحمض النووي (DNA) على الثايمين، رغم أنه أكثر عرضة للتلف بفعل الأشعة فوق البنفسجية من اليوراسيل، الذي يدخل في تركيب الحمض النووي الريبي (RNA) أحادي السلسلة؟.
وتشير دراسة أجراها باحثون في جامعة تكساس إيه آند إم الأمريكية، ونُشرت في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (PNAS) في 3 أغسطس 2026، إلى أن الثايمين ربما منح الجزيئات الوراثية المبكرة ميزة حاسمة، إذ ساعد على توجيه الضرر الناتج عن الأشعة فوق البنفسجية نحو شكل يسهل عكسه وإصلاحه.
وتكتسب هذه الفرضية أهميتها من الظروف التي واجهتها الحياة البدائية؛ ففي مراحل الأرض الأولى، كانت أشعة الشمس فوق البنفسجية تصل إلى سطح الكوكب بشدة، قبل وجود طبقة أوزون توفر الحماية التي نعرفها اليوم.
وقد يكون بقاء الأنظمة الوراثية الأولى مرتبطاً بقدرتها على التعامل مع هذا الضرر، لا بمنعه تماماً.
ظروف مدروسة
درس البروفيسور بيتر رينتزبيس، من قسم الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسوب في الجامعة، بالتعاون مع الباحثين كيوان خوش عبادي ونيغار كاربورازار، سلوك الثايمين واليوراسيل تحت ظروف مدروسة من الأشعة فوق البنفسجية تحاكي البيئة التي سادت الأرض البدائية.
قياسات ضوئية
واستخدم الفريق تقنيات متخصصة في القياسات الضوئية الحيوية، شملت مطيافية الامتصاص والفلورة ورامان، لتحليل كيفية تفاعل الجزيئات مع الضوء، سواء بامتصاصه أو إصداره أو تشتيته.
وأظهرت النتائج أن الثايمين يميل إلى توجيه الضرر الناجم عن الأشعة فوق البنفسجية نحو صورة أكثر قابلية للعكس، ما يشير إلى احتمال أن تكون الجزيئات الوراثية المبكرة قد نجت من الإشعاع الشديد بفضل قدرتها على احتواء الضرر وتسهيل إصلاحه.
وقال الباحث كيوان خوش عبادي إن الثايمين ربما عمل بمثابة «واقي شمسي جزيئي»، يمتص الطاقة الضارة ويحدّ من تأثيرها في القواعد الوراثية، بدلاً من السماح بامتداد الضرر إلى أجزاء أخرى أكثر هشاشة من الجزيء.
وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب تفوق الثايمين على اليوراسيل مع تطور الأنظمة الوراثية واتجاهها نحو الحمض النووي (DNA)، وإن كانت النتائج تقدم تفسيراً محتملاً لهذه العملية التطورية، لا حسمًا نهائياً لأسبابها.
تفاعلات كيميائية
يخطط الباحثون لتوسيع نطاق الدراسة، والعودة إلى مراحل أسبق من نشأة الحياة، لفهم القوى والتفاعلات الكيميائية التي جمعت الثايمين واليوراسيل وغيرهما من المكونات الأساسية للأنظمة الوراثية الأولى.
ويأمل الفريق في تحديد ما إذا كانت اللبنات الكيميائية للحياة قد تشكلت وتجمعت بالكامل على الأرض، أم أن بعض هذه المكونات وصل إلى كوكبنا عبر النيازك، قبل أن يندمج لاحقاً في الأنظمة الوراثية البدائية.
ولا يقتصر اهتمام الدراسة على فهم التطور الجزيئي، إذ رصد الباحثون أيضاً بصمات طيفية مميزة للثايمين واليوراسيل، تتمثل في أنماط محددة لطريقة تفاعلهما مع الضوء، وقد تفتح هذه البصمات آفاقاً لتطبيقات علمية وعملية جديدة.
تطور
يرى الباحثون أن النتائج قد تسهم مستقبلاً في تطوير وسائل أسرع وأكثر حساسية للكشف عن مسببات الأمراض، فضلاً عن مراقبة كفاءة عمليات التطهير بالأشعة فوق البنفسجية، ولا سيما في أنظمة معالجة المياه.
بصمات طيفية
وقد تساعد البصمات الطيفية في تحديد طبيعة الجزيئات أو رصد التغيرات التي تطرأ عليها عند تعرضها للضوء، بما يوفر أساساً لتطوير تقنيات أكثر دقة في التطبيقات البيولوجية والبيئية.
وتدعم الدراسة، التي تحمل عنوان «مسارات الضرر الضوئي بالأشعة فوق البنفسجية والانتقاء التطوري للثايمين بدلاً من اليوراسيل في الأنظمة الوراثية المبكرة»، جهود فهم الظروف الكيميائية التي مهدت لظهور الحياة، وكيف تمكنت مكوناتها الأولى من الاستمرار في بيئة قاسية.
ونُشرت الدراسة في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» بتاريخ 3 أغسطس 2026، بدعم من مكتب البحوث العلمية التابع للقوات الجوية الأمريكية ومحطة التجارب الهندسية في جامعة تكساس إيه آند إم.

