وداعاً لساعات الألم؟.. تخدير موضعي جديد يمتد لأسابيع بعد الجراحة

في خطوة ستفتح الباب أمام وسائل أطول تأثيراً لتخفيف الألم بعد العمليات الجراحية، طوّر باحثون في مستشفى بوسطن للأطفال طريقة جديدة لإطلاق المخدر الموضعي داخل الجسم ببطء شديد، ما أدى إلى استمرار تأثير التخدير لمدة تراوحت بين أسبوعين وثلاثة أسابيع، مقارنة بساعات قليلة فقط في التركيبات التقليدية.

ويعتمد الابتكار على إعادة تصميم ما يعرف بـ«الليبوسومات»، وهي حوامل مجهرية تتكون من جزيئات دهنية وتستخدم منذ عقود لنقل الأدوية داخل الجسم وإطلاقها تدريجياً، وبدلاً من ابتكار مخدر جديد، ركز الباحثون على تغيير بنية هذه الحوامل والطريقة التي يخرج بها الدواء منها وفق scitechdaily.

وتشير النتائج إلى إمكانية استخدام هذا الأسلوب مستقبلاً لإطالة مدة تسكين الألم المرتبط بالعمليات الجراحية، إذ إن معظم أدوية التخدير الموضعي المستخدمة حالياً توفر تأثيراً يستمر عادة بين 8 و12 ساعة، وقد يمتد في بعض الحالات إلى نحو يوم واحد، ما يعني أن المريض قد يحتاج بعد ذلك إلى وسائل أخرى للسيطرة على الألم.

مفاجأة في طريقة خروج الدواء

بدأت الفكرة عندما درس الباحثون في مختبر دانيال كوهان، في مستشفى بوسطن للأطفال، كيفية تحرر الأدوية من داخل الليبوسومات.

وكان الاعتقاد السائد أن الأغشية الدهنية الأكثر سيولة تسمح بخروج الأدوية بصورة أسرع، وبالتالي تمنح تأثيراً أقوى لكنه أقصر زمناً.

لكن مهندس الأبحاث يوان وانغ اكتشف سلوكاً مختلفاً عند التعامل مع الأدوية القابلة للذوبان في الماء، والتي تعرف باسم الأدوية المحبة للماء، فقد تبين أن هذه الأدوية يمكن أن تخرج ببطء شديد من بعض أنواع الليبوسومات الأكثر سيولة.

ولمعرفة ما إذا كان هذا التأثير يمكن أن يحافظ على التخدير لفترة طويلة، حمّل الباحثون الحوامل الدهنية بمادة «تيترودوتوكسين»، وهي سم عصبي قوي يوجد في بعض الأسماك، خصوصاً سمكة النفاخ، وكذلك في الأخطبوط ذي الحلقات الزرقاء.

وعلى الرغم من سميتها العالية، تمتلك المادة قدرة قوية على تعطيل الإشارات العصبية، وهو ما يجعلها موضع اهتمام في أبحاث التخدير وتسكين الألم.

وحقن الباحثون التركيبة بالقرب من أحد الأعصاب في أرجل الفئران، ثم راقبوا تأثيرها وسلامتها، وأظهرت التجارب استمرار التخدير الموضعي لمدة تراوحت بين أسبوعين وثلاثة أسابيع، في حين يستمر تأثير تركيبة تجارية للمقارنة نحو 4 إلى 8 ساعات.

كما لم يرصد الباحثون سمية في موضع الحقن أو في أجزاء أخرى من الجسم خلال التجربة، وهو ما يشير إلى أن إطلاق المادة ببطء أتاح للجسم التخلص منها تدريجياً، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مستوى كاف منها لإحداث التخدير.

«بصل» من الطبقات المجهرية

وتوصل العلماء إلى تفسير محتمل لهذا التأثير من خلال دراسة البنية الداخلية لليبوسومات، فقد أدى إدخال روابط كيميائية مزدوجة متعددة في ذيول الجزيئات الدهنية إلى منعها من التراص بإحكام، وجعل الأغشية أكثر سيولة.

لكن هذه السيولة لم تؤد إلى خروج الدواء سريعاً كما كان متوقعاً، وبدلاً من ذلك، كشفت الفحوص أن الليبوسومات التي تحتوي على عدد أكبر من الروابط المزدوجة تشكل حجرات متعددة داخل الحامل نفسه، ما يخلق حواجز متتالية أمام خروج الدواء.

وشبّه الباحثون هذه البنية بطبقات البصل المتراكبة، أو حتى بكرات موجودة داخل كرات أخرى، بحيث يتعين على جزيئات الدواء عبور عدة طبقات قبل الوصول إلى الأنسجة المحيطة.

ونشرت نتائج الدراسة في دورية «Nature Biomedical Engineering» في 23 سبتمبر 2026.

ويرى الباحثون أن هذه التقنية قد تكون قابلة للتطبيق على مجموعة واسعة من الجزيئات القابلة للذوبان في الماء، وليس على المخدرات الموضعية وحدها.

ويبحث الفريق حالياً إمكانات استخدامها في السيطرة على الألم المحيط بالعمليات الجراحية، مع طرح إمكانية دراسة تطبيقات مستقبلية في الألم المزمن.

لا تزال النتائج في مرحلة التجارب الحيوانية، ولم تصبح مادة «تيترودوتوكسين» مخدراً تجارياً مستخدماً لدى المرضى، ولذلك فإن انتقال هذه التقنية إلى الاستخدام البشري سيتطلب دراسات إضافية للتأكد من فعاليتها وسلامتها وتحديد الجرعات المناسبة.